ابن خلدون

344

تاريخ ابن خلدون

خلوته وصار له من الدولة مكان لا يجاريه أحد فيه وكان يدعى في الدولة بالحكيم وبه عرف ابنه من بعده وأصهر إلى أحد بيوت قسنطينة فزوجوه وخلط أهله بحرم السلطان وولد له محمد ابنه بقصره ورضع مع الأمير أبى بكر ابنه ونشأ في حجر الدولة وكفالتها على أحسن الوجوه من تربيتها ولما بلغ الحد وصرف إليه رئيس الدولة يعقوب بن عمر وجه اقباله واختصاصه فكان له منه مكان أكسبه ترشيحا للرياسة فيما بعد من بين خواص السلطان وخلصائه ولما نهض السلطان إلى إفريقية قلده قيادة بعض العساكر ثم عقد له بعد مهلك ابن عمر على عمل باجة حين رقى ابن سيد الناس عنها إلى بجاية وكان عمل باجة من أعظم الولاية في الدولة فاضطلع به ثم لما آمر السلطان بطانته في نكبة ابن سيد الناس دفعه لذلك فولى القبض عليه وكبله في عصبة من البطانة في بعض الحجر من رياض رأس الطابية واستدعى ابن سيد الناس إلى السلطان ومر بمكانهم فلما انتهى إليهم توثبوا به وشدوه كتافا وتلوه إلى محبسه بالبرج المعد لعقاب أمثاله بالقصبة وتولى ابن الحكيم من امتحانه وعذابه ما ذكرناه إلى أن هلك وعقد له السلطان مكانه على الحرب والتدبير من خططه وفوض إليه فيما وراء الحضرة كما قلناه وجعل تنفيذ الأموال والكتب على الأوامر لابن عبد العزيز فكان عدله في حمل الدولة إلا أن ابن عبد الحكيم كان أشف فيه لما كان إليه من التدبير في الحرب والرياسة على الكتابة لرياسة السيف على القلم فاضطلع برياسته وأحسن الغناء والولاية إلى أن كان من خبره وخبر الدولة ما نذكر * ( الخبر عن فتح قفصة وولاية الأمير أبى العباس عليها ) * كان أهل الجريد منذ تقلص عنهم ظل الدولة عند انقسام الملك بين الثغور الغربية والحضرة وما إليها وصار أمرهم إلى الشورى من المشيخة الا في الأحايين يؤملون الاستبداد كما كانوا عليه من قبل الموحدين فقدم عبد المؤمن إلى إفريقية وبنى الدند على قفصة وقسنطينة وابن واطاس على توزر وابن مطروح على طرابلس فأملوا فتكها وشغل مولانا السلطان أبو بكر عنهم بعد استقلاله بالأمر وانفراده بالدعوة الحفصية شأن الفتنة مع آل يغمراسن بن زيان واجلاب عساكرهم مع حمزة بن عمر على أوطانه حتى إذا أخذ السلطان أبو الحسن بحجزتهم وأطل عليهم من مراقبه فعادوا إلى أوكارهم بعد أن استبدوا وتنفس مخنق الثغور الغربية من حصارهم وزال عن كاهل الدولة إصرها فاهتم وسكن اضطراب الخوارج على الدولة وخفت أصوات المرجفين في مهالكها وصرف السلطان نظره إلى أعطاف الذئاب الغاوية والكلاب العاوية زعماء أمصارها واعراب فلاتها فنهض إلى قفصة سنة خمس وثلاثين وقد كان استبد