ابن خلدون
300
تاريخ ابن خلدون
لهم ولما استولى السلطان على الامر ورشح ابنه أبا فارس للعهد وأجراه على سنين الوزارة فاصطنع أحمد بن سيد الناس ونوه باسمه وخلع عليه ملبوس كرامته واختصه بلقب حجابته وأخوه أبو الحسين يناهضه في ذلك عنوة ونفس ذلك عليهما البطانة فأغروا السلطان أبا إسحاق ثانية وخوفوه شأنه وان أحمد بن سيد الناس داخله في التوثب بالدولة وتولى كبر هذه السعاية عبد الوهاب بن قائد الكلاعي من علية الكتاب ووجوههم كان يكتب للعامة يومئذ فسطا السلطان بابن سيد الناس سنة تسع وستين آخر ربيع استدعى إلى باب القصر فتعاورته السيوف هبرا ووري شلوه ببعض الحفر وبلغ الخبر إلى الأمير أبى فارس فركب إلى أبيه في لبوس الحزن فعزاه أبوه عن ذلك بأنه ظهر لابن سيد الناس على المكر والخديعة بالدولة وأماط سواده بيده ونجا أبو الحسين من هذه المهلكة واعتقل في لمة من رجال الأمير أبى فارس بعد أن توارى أياما إلى أن أطلق من محبسه وكان من أمره ما نذكره بعد واستبلغ السلطان في تأنيس ابنه ومسح الضغينة عن صدره فعقد له على بجاية وأعمالها وأنفذه إليها أميرا مستقلا وأنفذ معه في رسم الحجابة جدي محمد ابن صاحب اشغاله أبى بكر بن الحسن بن خلدون فخرج إليها سنة تسع وستين وقام بأمرها ولم يزل أميرا بها إلى آخر دولته كما نذكر والله أعلم اسم هذا الرجل أبو بكر بن موسى بن عيسى ونسبته في كوميه من بيوت الموحدين كان مستخدما لابن كلداني الوالي بقسنطينة فكان له غناء وصداقة وولاه السلطان أبو إسحاق حافظا على قسنطينة واتصلت ولايته وهلك المستنصر واضطربت الأحوال ثم ولاه الواثق ثم السلطان أبو إسحاق وكان ابن وزير هذا طموعا جموعا لأموال الناس لا يمل وعلم أن قسنطينة معقل ذلك النصر وحصنه فحدثته نفسه بالامتناع بها والاستبداد على الدولة وساء أثره في أهلها فرفعوا أمرهم إلى السلطان أبى اسحق واستعدوه فلم يعدهم لما رأى من مخايل الحرابة من الطاغية وكتب هو بالاعتذار والنكير لما جاء به فتقبله وأعطى له من هنياته ولما مر به الأمير أبو فارس إلى محل امارته من بجاية سنة تسع وسبعين قعد عن لقائه وأوفد إليه جمعا من الصلحاء بالمعاذير والاستعطاف فمنحه من ذلك كفاء مرضاته حتى إذا أبعد الأمير أبو فارس إلى بجاية اعتزم على الانتزاء كاتب ملك أرغون في جيش من النصارى يكون معهم في ثغره يردد بهم الغزو على أن يكون فيما زعموا داعية له فأجابه ووعده ببعث الأسطول إليه فجاهر بالخلعان وانتزى بثغر قسنطينة داعيا لنفسه آخر سنته وزحف إليه الأمير أبو فارس من بجاية في عساكره واحتشد الاعراب وفرسان القبائل إلى أن احتل بميلة ووفد عليه من