ابن خلدون

293

تاريخ ابن خلدون

الطاغية تسمى الرينة وصاحب البر الكبير وتسميهم العامة من أهل الأخبار ملوكا ويعنون انهم متباينون ظاهروا على غزو تونس وليس كذلك وانما كان واحدا وهو طاغية الفرنجة واخوته وبطارقته عد كل واحد منهم ملكا لفضل قوته وشدة بأسه فأنزلوا عساكرهم في المدينة القديمة من قرطاجنة وكانت مائلة الجدران اضطرم المعسكر بداخلها ووصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب ونضدوا شرفاتها وأداروا على السور خندقا بعيد المهوى وتحصنوا وندم السلطان على إضاعة الحزم في تخريبها أو دفاعهم عن نزلها وأقام ملك الفرنجة وقومه متمرسين بتونس ستة أشهر والمدد يأتيه في أساطيله من البحر من صقلية والعدوة بالرجل والأسلحة والأقوات وسلك بعض المسلمين طريقا في البحيرة واتبعه العرب فأصابوا غرة في العدو فظفروا وغنموا وشعروا بمكانهم فكلفوا بحراسة البحيرة وبعثوا فيها الشواني بالرماة ومنعوا الطريق إليهم وبعث السلطان في ممالكه حاشدا فوافته الامداد من كل ناحية ووصل أبو هلال صاحب بجاية وجاءت جموع العرب وسدويكش وولهاصة وهوارة حتى أمده ملوك المغرب من زناتة وسرح إليه محمد بن عبد القوى عسكر بنى توجين لنظر ابنه زيان وأخرج السلطان أبنيته وعقد لسبعة من الموحدين على سائر الجند من المرتزقة والمطوعة وهم إسماعيل بن أبي كلداسن وعيسى بن داود ويحيى بن أبي بكر ويحيى بن صالح وأبو هلال عياد صاحب بجاية ومحمد بن عبو وأمرهم كلهم راجع ليحيى بن صالح ويحيى ابن أبي بكر منهم واجتمع من المسلمين عدد لا يحصى وخرج الصلحاء والفقهاء والمرابطون لمباشرة الجهاد بأنفسهم والتزم السلطان القعود بإيوانه مع بطانته وأهل اختصاصه وهم الشيخ أبو سعيد المعروف بالعود وابن أبي الحسين وقاضيه أبو القاسم بن البراء وأخو العيش واتصلت الحرب والتقوا في منتصف محرم سنة تسع بالمنصف فزحف يومئذ يحيى بن صالح وجرون فمات من الفريقين خلق وهجموا على المعسكر بعد العشاء وتدامر المسلمون عنده ثم غلبوا عليه بعد أن قتل من النصارى زهاء خمسمائة فأصبحت أبنيته مضروبة كما كانت وأمر بالخندق على المعسكر فتعاورته الأيدي واحتفر فيه الشيخ أبو سعيد بنفسه وابتلى المسلمون بتونس وظنوا الظنون واتهم السلطان بالتحول عن تونس إلى القيروان ثم إن الله أهلك عدوهم وأصبح ملك الفرنجة ميتا يقال حتف أنفه ويقال أصابه سهم غرب في بعض المواقف فأبته ويقال أصابه مرض الوباء ويقال وهو بعيد ان السلطان بعث إليه مع ابن جرام الدلاصي بسيف مسموم وكان فيه مهلكه ولما هلك اجتمع النصارى على ابنه دمياط سمى بذلك لميلاده بها فبايعوه واعتزموا على الاقلاع وكان أمرهم راجعا إلى العلجة فراسلت المستنصر أن يبذل لها ما خسروه