ابن خلدون

286

تاريخ ابن خلدون

القرقير صاحب الاشغال بالحضرة فاستعمل مكانه وكان لا يلي تلك الخطة الا كبير من مشيخة الموحدين فرشحه السلطان لها لكفايته وغنائه فظفر منها بحاجة نفسه واعتدها ذريعة إلى أمنيته فاتخذ شارة أرباب السيوف وارتبط الخيل واتخذ الآلة في حروبه مع أهل البادية إذا احتاج إليها وأسف أثناء ذلك أبا علي بن النعمان وأبا عبيد الله ابن الحسين بعدم الخضوع لهما فنصبا له وأغريا به السلطان وحذراه غائلة عصيانه وكان فيه اقدام أوجد به السبيل على نفسه ويحكى أن السلطان استشاره ذات يوم في تقديم بعض أهل الخلاف والعصيان فقال له عندي ببابك آلاف من الجنود ارم بها من تشاء من أمثالهم فأعرض عنه السلطان واعتدها عليه ووجد لها مصداقا لما نمى عنه ولما قدم عنه عبد الحق بن يوسف بن ياسين على الاشغال ببجاية مع زكريا ابن السلطان أظهر له الجوهري ان ذلك له بسعايته وعهد إليه بالوقوف عند أمره والعمل بكتابه فألقى عبد الحق ذلك إلى الأمير زكريا فقام لها وقعد وأنف من استبداد الجوهري عليه ولم تزل هذه وأمثالها تعد عليه حتى حق عليه القول فسطا به الأمير أبو زكريا وتقبض عليه سنة تسع وثمانين ووكل امتحانه إلى أعدائه ابن لمان والندومى فتجلد على العذاب وأصبح في بعض أيامه ميتا في محبسه ويقال خنق نفسه وألقى شلوه بقارعة الطريق فتفنن على أهل الشماتة في العبث به والى الله المصير كان الأمير أبو زكريا منذ استقل بأمر إفريقية واقتطعها من بنى عبد المؤمن كما ذكرنا متطاولا إلى ملك الحضرة بمراكش والاستيلاء على كرسي الدعوة وكان يرى أن بمظاهرة زناتة له في شأنه يتم له ما يسمو إليه من ذلك فكان يداخل امراء زناتة فيه ويرغبهم ويراسلهم بذلك على الاحياء من بنى مرين وبنى عبد الواد وتوجين ومغراوة وكان يغمراسن منذ تقلد طاعة آل عبد المؤمن أقام دعوتهم بعمله متحيزا إليهم سلما لوليهم وحربا على عدوهم وكان الرشيد منهم قد ضاعف له البر والخلوص وخطب منه مزيد الولاية والمصافاة وعاوده الاتحاف بأنواع الالطاف والهدايا تيمما لمسراته وميلا إليه من جانب أمثاله بنى مرين المجلبين على المغرب والدولة فاستنكر السلطان أبو زكريا اتصال الرشيد هذا بيغمراسن وألزمهم من جواره بالمحل القريب وبينما هو على ذلك إذ وفد إليه عبد القوى أمير بنى توجين وبعض وفد بنى منديل بن عبد الرحمن امراء مغراوة صريخا على يغمراسن فسهلوا له أمره وسولوا له الاستبداد على تلمسان وجمع كلمة زناتة واعتداد ذلك ركابا لما يرومه من امتطاء ملك الموحدين بمراكش وانتظامه في أمره وسلما لارتقاء ما سموا إليه من ملكه وبابا لولوج المغرب على أصله فحركه املاؤهم وهزه إلى النفرة صريخهم وأهب الموحدين وسائر الأولياء والعساكر إلى الحركة على تلمسان واستنفر