ابن خلدون

279

تاريخ ابن خلدون

فأوقع بهم واستنقذ الأسرى من أيديهم واكتسح سائر مغانمهم وقتل فيها كثير من الملثمين ولحق فلهم بناحية طرابلس إلى أن كان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى كان ابن غانية بعد واقعة أشير واستنقاذ أبى محمد تاهرت من يده خلص إلى جهة طرابلس وتلاحق به فل الملثمين وأولياؤه من العرب وكان المجلى معه في مواقف الزواودة من رياح وكبيرهم محمد بن مسعود فتآمروا واعتزموا على معاودة الحرب وتعاقدوا على الثبات والصبر وانطلقوا يستألفون الاعراب من كل ناحية حتى اجتمع إليهم من ذلك أمم كان فيهم رياح وزغب والشريد وعوف وذباب ونعات واحتفلوا في الاحتشاد وأجمعوا دخول إفريقية فبادرهم أبو محمد قبل وصولهم إليه وخرج من تونس سنة ست وأغذ السير إليهم وتزاحفوا عند جبل نفوسة واشتدت الحرب ولما حمى الوطيس ضرب أبو محمد أبنيته وفسطاطه وتحيز إليه بعض الفرق من بنى عوف بن سليم واختل مصاف ابن غانية واتبعه الموحدون إلى أن دخل في غيابات الليل وامتلأت أيديهم بالأسرى والغنائم وسيقت ظعائن العرب وقد كانوا قدموها بين أيديهم للحفيظة أفذاذا في الكر والفر فأصبحت مغنما للموحدين وربات خدورها سببا وهلك في المعركة خلق من الملثمين وزناتة والعرب وكان فيهم إليه بن محمد بن مسعود البلط بن سلطان شيخ الزواودة وابن عمه حركات بن الشيخ بن عساكر ابن السلطان وشيخ بنى قرة وجراز بن ويفرن كبير مغراوة ومحمد بن العاري بن غانية في آخرين من أمثالهم وانصرف ابن غانية مهيض الجناح مفلول الحد عفوفا بالياس من جميع جهاته وانقلب أبو محمد والموحدون أعزة ظاهرين واستفحل أمر أبى محمد بإفريقية وحسم عامة الفساد واستوفى جبايتها وطالت مواقف حروبه ولم تهزم له راية وهلك الناصر وولى ابنه يوسف المنتصر واستبد عليه المشيخة لمكان صغره وشغلوا بفتنة بنى مرين وظهورهم بالمغرب فاستكفى بالشيخ أبى محمد في إفريقية وعول على غنائه فيها وضبطه لأحوالها وقيامه بملكها فأبقاه على أعمالها وسرب إليه الأموال لنفقاتها وأعطياتها ولم يزل بها إلى أن هلك سنة ثمان عشرة والله أعلم * ( الخبر عن مهلك الشيخ أبى محمد بن الشيخ أبى حفص وولاية عبد الرحمن ابنه ) * كانت وفاة الشيخ أبى محمد فاتح سنة ثمان عشرة ولما هلك انباع الناس لمهلكه وافترق أمر الموحدين في الشورى فريقين ابنه عبد الرحمن بن الشيخ أبى محمد وإبراهيم ابن عمه إسماعيل ابن الشيخ أبى حفص فترددوا مليا ثم اتفقوا على الأمير أبى زيد عبد الرحمن ابنه وأعطوه صفقة ايمانهم وأقعدوه بمجلس أبيه في الامارة فسكن الثائرة وشمر للقيام