ابن خلدون

276

تاريخ ابن خلدون

وأمضى عهد الامام بتقديمه وحمل المصامدة على طاعته فلم يختلف عليه اثنان وكان الحل والعقد في المهمات إليه سائر أيام عبد المؤمن وابنه يوسف واستكفوا به نوائب الدعوة فكفاهم همها وكان عبد المؤمن يقدمه في المواقف قبلي فيها وبعثه على مقدمته حين زحف إلى المغرب الأوسط قبل فتح مراكش سنة سبع وثلاثين وزناتة كلهم مجتمعون بمنداس لحرب الموحدين مثل بنى ومانو وبنى عبد الواد وبنى ورسيعان وبنى توحين وغيرهم فحمل زناتة على الدعوة بعد أن أثخن فيهم لأول دخول عبد المؤمن لمراكش خرج عليه الثائر بماسة وانصرفت إليه وجوه الغوغاء وانتشرت ضلالته في النواحي وتفاقم أمره فدفع لحربه الشيخ أبا حفص فحسم داءه ومحا أثر غوايته ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية حركته الأولى لم يقدم شيئا على استشارة أبى حفص ولما رجع منها وعهد إلى ابنه محمد خالفه الموحدون ونكروا ولاية ابنه فاستدعى أبا حفص من مكانه بالأندلس وحمل الموحدين على البيعة له وأشار بقتل الهرغى رأس المخالفين في شأنه فقتله وتم أمر العهد لابنه محمد ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية سنة أربع وخمسين حركته الثانية لفتح المهدية استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب وينقل من وصاة عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية لبنيه انه لم يبق من أصحاب الإمام الا عمر بن يحيى ويوسف بن سليمان فأما عمر فإنه من أوليائكم وأما يوسف فجهزه بعسكره إلى الأندلس تسترح منه وكذلك فافعل بكل من تكرهه من المصامدة وأما ابن مردنيش فاتركه ما تركك وتربص به ريب المنون وأخل إفريقية من العرب وأجلهم إلى بلاد المغرب وادخرهم لحرب ابن مردنيش ان احتجت إلى ذلك ولما ولى يوسف بن عبد المؤمن تخلف الشيخ أبو حفص عن بيعته ووجم الموحدون لتخلفه حتى استبد غرضه في حكم أمضاه بمقعد سلطانه وأعجب بفضله وأعطاه صفقة يمينه وأعلن بالرضا بخلافته فكانت عند يوسف وقومه من أعظم البشائر وتسمى بأمير المؤمنين سنة ثلاث وستين ولما ولى يوسف بن عبد المؤمن وتحركت الفتنة بجبال غمارة وصنهاجة التي تولى كبرها سبع بن منقفاد سنة ثنتين وستين عقد للشيخ أبى حفص على حربهم فجلى في ذلك ثم خرج بنفسه فأثخن فيهم وكمل الفتح كما ذكرناه ولما بلغه سنة أربع وستين تكالب الطاغية على الأندلس وغدره بمدينة بطليوس واعتزم على الإجازة لحمايتها قدم عساكر الموحدين إليها لنظر الشيخ أبى حفص ونزل قرطبة وأمر من كان بالأندلس من السادة أن يرجعوا إلى رأيه فاستنقذ بطليوس من هذا الحصار وكانت له في الجهاد هنا لك مقامات مشهورة ولما انصرف من قرطبة إلى الحضرة سنة احدى وسبعين هلك عفا الله عنه في طريقه بسلا قربها وكان أبناؤه