ابن خلدون

227

تاريخ ابن خلدون

بالمعروف والنهى عن المنكر ما استطاع حتى لقى بسبب ذلك أذيات في نفسه احتسبها من صالح عمله ولما دخل بجاية وبها يومئذ العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس بن حمار من أمراء صنهاجة وكان من المقترفين فأغلظ له ولاتباعه بالنكير وتعرض يوما لتغيير بعض المنكرات في الطرق فوقعت بسببها هيعة نكرها السلطان والخاصة وائتمروا به فخرج منها خائفا ولحق بملاله على رسخ منها وبها يومئذ بنو ورياعل من قبائل صنهاجة وكان لهم اعتزاز ومنعة فآووه وأجاروه وطلبهم السلطان صاحب بجاية باسلامه إليه فأبوا وأسخطوه وأقام بينهم يدرس العلم أياما وكان يجلس إذا فرغ على صخرة بقارعة الطريق قريبا من ديار ملاله وهي لهذا العهد معروفة وهناك لقيه كبير صحابته عبد المؤمن بن علي حاجا مع عمه فأعجب بعلمه وانتهى عزمه عن وجهه ذلك واختص به وتشمر للاخذ عنه وارتحل المهدى إلى المغرب وهو في جملته ولحق بوانشريش صحبه منها البشير من جملة أصحابه ثم لحق بتلمسان وقد تسامع الناس بخبره فأحضره القاضي بها بن صاحب الصلاة ووبخه على منتحله ذلك وخلافه لأهل قطره وظن أن من العدل نزعه عن ذلك فصم عن قوله واستمر على طريقه إلى فاس ثم إلى مكناسة ونهى بها عن بعض المناكير فأوقع به الشر من الغوغا فأوجعوه ضربا ولحق بمراكش وأقام بها آخذا في شأنه ولقى علي بن يوسف بالمسجد الجامع في صلاة الجمعة فوعظه وأغلظ له القول ولقى ذات يوم الصورة أخت علي بن يوسف حاسرة قناعها على عادة قومها الملثمين في زي نسائهم فوبخها ودخلت على أخيها باكية لما نالها من تقريعه ففاوض الفقهاء في شأنه بما وصل إليه من شهرته وكانوا ملئوا منه حسدا وحفيظة لما كان ينتحل مذهب الأشعرية في تأويل المتشابه وينكر عليهم جمودهم على مذهب السلف في إقراره كما جاء ويرى ان الجمهور لقنوه تجسيما ويذهب إلى تكفيرهم بذلك أحد قولي الأشعرية في التكفير فمال إلى الرأي فأغروا الأمير به فأحضره للمناظرة معهم فكان له الفلج والظهور عليهم وخرج من مجلسه ونذر بالشر منهم فلحق من يومه بأغمات وغير المناكير على عادته وأغرى به أهلها علي بن يوسف وطيروا إليه بخبره فخرج منها هو وتلميذه الذين كانوا في صحابته ودعا إسماعيل بن أبكيك من أصحابه وهو من انجاد قومه وخرج به إلى منحاة من جبال المصامدة لحق أولا بمسفيوه ثم بهنتاتة ولقيه من أشياخهم عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي وهو أبو حفص ويعرف بيته ابن هنتاتة ببني فاصكات وتقول نسابتهم ان فاصكات هو جد وانودين ويقال لهنتاتة بلسانهم هننى فلذلك كان يعرف عمر بهنتى وسيأتي الكلام في تحقيق نسبهم عند ذكر دولتهم ثم ارتحل المهدى عنهم إلى ايكيلين من بلاد هرغة فنزل على قومه وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة وبنى رابطة للعبادة