ابن خلدون

211

تاريخ ابن خلدون

ينسب قصر المجاز الذي يعبر منه الخليج البحري إلى بلد طريف ويعضده أيضا اتصال مواطنهم بمواطن برغواطة من شعوب المصامدة بريف البحر الغربي وهو المحيط إذ ذاك بنو حسان منهم موطنين بذلك الساحل من لدن آزغر وأصيلا إلا أن أنفى من هنا لك تتصل بهم مواطن برغواطة ودوكالة إلى قبائل درن من المصامدة فما وراءها من بلاد القبلة فالمصامدة هم أهل الجبال بالمغرب الأقصى الا قليلا منهاع وغيرهم في البسائط ولم تزل غمارة هؤلاء بمواطنهم هذه من لدن الفتح ولم يعلم ما قبل ذلك وللمسلمين فيهم أزمان الفتح وقائع الملاحم وأعظمها لموسى بن نصير وهو الذي حملهم على الاسلام واسترهن أبناءهم وأنزل منهم عسكرا مع خلوف بطنجة وكان أميرهم لذلك العهد بليان وهو الذي وفد عليه موسى بن نصير وأعانه في غزو الأندلس وكان منزله سبتة كما نذكره وذلك قبل استحواء تاتكور وكانت في غمارة هؤلاء بعد الاسلام دول قاموا بها لغيرهم وكان فيهم متنبئون ولم تزل الخوارج تقصد جبالهم للمنعة فيها كما نذكره إن شاء الله تعالى * ( الخبر عن سبتة ودولة بنى عصام بها ) * كانت سبتة هذه من الأمصار القديمة قبل الاسلام وكانت يومئذ منزل بليان ملك غمارة ولما زحف إليه موسى بن نصير صانعه بالهدايا وأذعن للجزية فأقره عليها واسترهن ابنه وأبناء قومه وأنزل طارق بن زياد بطنجة للجزية وضرب عليهم العسكر للنزول معه ثم كانت إجازة طارق إلى الأندلس فضرب عليهم البعوث وكان الفتح لا كفاء له كما مر في موضعه ولما هلك بليان استولى العرب على مدينة سبتة صلحا من أيدي قومه فعمروها ثم كانت فتنة ميسرة الخفير وما دعا إليه من ضلالة الخارجية وأخذ بها الكثير من البرابر من غمارة وغيرهم فزحف من امرة طنجة إلى سبتة وأخرجوا العرب منها وسبوها وخربوها فبقيت خلاء ثم نزل بها ماحكس من رجالاتهم ووجوه قبائلهم وبه سميت محكسة فبناها ورجع إليها الناس وأسلم وسمع من أهل زمانه إلى أن مات فقام بأمره ابنه عصام ووليها دهرا ولما هلك قام بأمره ابنه مجير فلم يزل واليا عليها إلى أن هلك ووليها أخوه الرضى ويقال انه ابنه وكانوا يعطون لبنى إدريس طاعة مضعفة كما نذكره ولما سما للناصر أمل في ملك المغرب ويتناوله حيلة من أيدي بنى إدريس المالكين ببلاد الهبط وغمارة حين أجهضتهم كتامة وزناتة عن ملكهم بفاس وقام بدعوة الناصر وبثوها في أعمالهم نزلوا حينئذ للناصر عن سبتة وأشاروا له إلى تناولها من بنى عاصم فسرح إليها عساكره وأساطيله مع قائده نجاح بن غفير فكان فتحها سنة تسع عشرة وثلاثمائة ونزل له الرضى بن عصام عنها وآتاه طاعته وانقرض أمر بنى عصام وصارت سبتة إلى الناصر حتى استولى عليها بعد حين بنو حماد واستحدثوا بعدها دولة