ابن خلدون
147
تاريخ ابن خلدون
بمكانهم ذلك من أرض الزاب لهذا العهد وقد جعل على قبر عقبة اسنمة ثم جصص واتخذ عليه مسجد عرف باسمه وهو في عداد المزارات ومظان البركة بل هو أشرف مزور من الأجداث في بقاع الأرض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه وأسر من الصحابة يومئذ محمد بن أوس الأنصاري ويزيد بن خلف العبسي ونفر معهم ففداهم ابن مصاد صاحب قفصة وكان زهير بن قيس البلوى بالقيروان وبلغه الخبر فخرج هاربا وارتحل بالمسلمين ونزل برقة وأقام بها ينتظر المدد من الخلفاء واجتمع إلى كسيلة جميع أهل المغرب من البربر والفرنجة وزحف إلى القيروان فخرج العرب منها ولحق بزهير بن قيس ولحق بها أصحاب الذراري والأثقال فأمنهم وداخل القيروان وأقام أميرا على إفريقية ومن بقي بها من العرب خمس سنين وقارن ذلك مهلك يزيد بن معاوية وفتنة الضحاك بن قيس مع المروانية بمرج راهط وحروب آل الزبير فاضطرب أمر الخلافة بعض الشئ واضطرم المغرب نارا وفشت الردة في زناتة والبرانس ثم استقل عبد الملك بن مروان من بعد ذلك وأذهب بالمشرق آثار الفتنة وكان زهير بن قيس مقيما منذ مهلك السلطان عقبة فبعث إليه بالمدد وولاه حرب الجبابرة والثأر بدم عقبة فزحف إليها في آلاف من العرب سنة سبع وستين وجمع كسيلة البرانس وسائر البربر ولقيه بجيش من نواحي القيروان واشتد القتال بين الفريقين ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومن لا يحصى منهم واتبعهم العرب إلى مرماجنة ثم إلى ملوية وذال البربر ولجأوا إلى القلاع والحصون وحدت شوكة أوروبا من بينهم واستقر جمهورهم بديار المغرب الأقصى فلم يكن بعدها لهم ذكر واستولوا على مدينة وليلى بالمغرب كانت ما بين موضع فاس ومكناسة بجانب جبل زرهون وأقاموا على ذلك والجيوش من القيروان تدوخ المغرب مرة بعد أخرى إلى أن خرج محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي أيام المنصور وقتل بالمدينة سنة خمس وأربعين ثم خرج بعده ابن عمه حسين بن علي بن حسن المثلث ابن حسن المثنى ابن حسن السبط أيام الهادي وقتل بفخ على ثلاثة أميال من مكة سنة تسع وستين ومائة واستلحم كثير من أهل بيته وفرادريس بن عبد الله إلى المغرب ونزل على أوروبا سنة ثنتين وسبعين وأميرهم يومئذ بو ليلى إسحاق بن محمد بن عبد الحميد منهم فأجاره وجمع البرابر على دعوته واجتمعت عليه زوغة ولواتة وسراتة وغمات ونفزة ومكناسة وغمارة وكافة برابرة المغرب فبايعوه وائتمروا بأمره وتم له الملك والسلطان بالمغرب وكانت له الدولة التي ورثها أعقابه إلى حين انقراضها كما ذكرنا في دولة الفاطميين والله تعالى اعلم