ابن خلدون
430
تاريخ ابن خلدون
قد كنا قدمنا أخبار الأرمن إلى قتل ملكهم هيثوم على يد ايدغدى شحنة التتر ببلاد الروم سنة سبع واستقرار الملك بسيس لأخيه أو سير بن ليعون وكان بينه وبين قزمان ملك التركمان مصاف سنة تسع عشرة فهزمه قزمان ولم يزل أو سير بن ليعون ملكا عليهم إلى سنة اثنتين وسبعين فهلك ونصبوا للملك بعده ابنه ليعون صغيرا ابن ثنتي عشرة سنة وكان الناصر قد طلب أو سير أن ينزل له عن القلاع التي تلى الشأم فاتسع وجهز إليه عساكر الشأم فاكتسحوا بلاده وخربوها وهلك أو سير على اثر ذلك ثم أمر الناصر كيبغا نائب حلب بغزو سيس فدخل إليها بالعساكر سنة ست وثلاثين واكتسح جهاتها وحصر قلعة النقير وافتتحها وأسر من الأرمن عدة يقال بلغوا ثلاثمائة وبلغ خبرهم إلى النصارى بإياس فثاروا بمن عندهم من المسلمين وأحرقوهم غضبا للأرمن لمشاركتهم في دين النصرانية ولم يثبت أن بعث إلى السلطان دمرداش بن جوبان شحنة المغل ببلاد الروم يعرفه بدخوله في الاسلام ويستنفر عساكره لجهاد نصارى الأرمن فأسعفه بذلك وجهز إليه عساكر الشأم من دمشق وحلب وحماة سنة سبع وثلاثين ونازلوا مدينة اياس ففتحوها وخربوها ونجا فلهم إلى الجبال فاتبعتهم عساكر حلب وعادوا إلى بلادهم ثم سار سنة احدى وستين بندمر الخوارزمي نائب حلب لغزو سيس ففتح أذنة وطرسوس والمصيصة ثم قلعتي كلال والجريدة وسنباط كلا وتمرور وولى نائبين في أذنة وطرسوس وعاد إلى حلب وولى بعده على حلب عشقيم النصارى فسار سنة ست وسبعين وحصر سبس وقلعتها شهرين إلى أن نفدت أقواتهم وجهدهم الحصار فاستأمنوا ونزلوا على حكمه فخرج ملكهم التكفور وأمراؤه وعساكره إلى عشقيم فبعث بهم إلى مصر واستولى المسلمون على سيس وسائر قلاعها وانقرضت منها دولة الأرمن والبقاء لله وحده انتهى * ( الصلح مع ملوك التتر وصهر الناصر مع ملوك الشمال منهم ) * كان للتتر دولتان مستفحلتان إحداهما دولة بنى هلاكو آخذ بغداد والمستولى على كرسي الاسلام بالعراق وأصارها هو وبنوه كرسيا لهم ولهم مع ذلك عراق العجم وفارس وخراسان وما وراء النهر ودولة بنى دوشى خان بن جنكزخان بالشمال متصلة إلى خوارزم بالمشرق إلى القرو وحدود القسطنطينية بالجنوب وإلى أرض بلغار بالمغرب وكان بين الدولتين فتن وحروب كما تحدث بين الدول المتجاورة وكانت دولة الترك بمصر والشأم مجاورة لدولة بنى هلاكو وكان يطمعون في ملك الشأم ويرددون الغزو إليه مرة بعد أخرى ويستميلون أولياءهم وأشياعهم من العرب والتركمان فيستظهرون بهم عليهم كما رأيت ذلك في أخبارهم وكانت بين ملوكهم من الجانبين وقائع متعددة