ابن خلدون

370

تاريخ ابن خلدون

مستفحلة يومئذ وشوكتهم قائمة مرهفة ويدهم ويد سلطانهم في الامر جميعا ومر ما هم إلى العز والمجد واحد وكانوا كأسنان المشط لتزاحم الأنساب وغضاضة الدين حتى إذا ارهف الملك حده ونهج إلى الاستبداد طريقه واحتاج السلطان في القيام بأمره إلى الاستظهار على المنازعين فيه من قومه بالعصبية المدافعة دونه والشوكة المعترض شباها في أذياله حتى تجدع أنوفهم عن التطاول إلى رتبته وتغض أعنتهم عن السير في مضماره اتخذ بنو العباس من لدن المهدى والرشيد بطانة اصطنعوهم من موالي الترك والروم والبربر ملؤا منهم المواكب في الأعياد والمشاهد والحروب والصوائف ؟ ؟ على السلطان وزينة في أيام السلم واكثافا لعصابة الملك حتى لقد اتخذ المعتصم مدينة سامرا لنزلهم تحرجا من اضرار الرعية باصطدام مراكبهم وتراكم القتام بجوهم وضيق السكك على المارين بزحامهم وكان اسم الترك غالبا على جميعهم فكانوا تبعا لهم ومندرجين فيهم وكانت حروب المسلمين لذلك العهد في القاصية وخصوصا مع الترك متصلة والفتوح فيهم متعاقبة وأمواج السبي من كل وجه متداركة وربما رام الخلفاء عند استكمال بغيتهم واستجماع عصابتهم اصطفاء علية منهم للمخالصة وقواد العساكر ورؤساء المراكب فكانوا يأخذون في تدريجهم لذلك بمذاهب الترشيح فينتقون من أجود السبي الغلمان كالدنانير والجوار كاللآلئ ويسلمونهم إلى قهارمة القصور وقرمة الدواوين يأخذونهم بحدود الاسلام والشريعة وآداب الملك والسياسة ومراس الثقافة في المران على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والمطاعنة بالرماح والبصر بأمور الحرب والفروسية ومعاناة الخيول والسلاح والوقوف على معاني السياسة حتى إذا تنازعوا في الترشيح وانسلخوا من جلدة الخشونة إلى رقة الحاشية وملكة التهذيب اصطنعوا منهم للمخالصة ورقوهم في المراتب واختاروا منهم لقيادة العساكر في الحروب ورياسة المواكب أيام الزينة ورتق الفتوق الحادثة وسد الثغور القاصية كل على شاكلة غنائه وسابق اصطناعه فلم يزل هذا دأب الخلفاء في اصطناعهم ودعامة سرير الملك بعمدهم وتمهيد الخلافة بمقاماتهم حتى سموا في درج الملك وامتلأت جوانحهم من الغزو وطمحت أبصارهم إلى الاستبداد فتغلبوا على الدولة وحجروا الخلفاء وقعدوا بذلك الملك ومدرج النهى والامر وقادوا الدولة بزمامهم وأضافوا اسم السلطان إلى مراتبهم وكان مبدأ ذلك واقعة المتوكل وما حصل بعدها من تغلب الموالى واستبدادهم بالدولة والسلطان ونهج السلف منهم في ذلك السبيل للخلف واقتدى الآخر بالأول فكانت لهم دول في الاسلام متعددة تعقب غالبا دولة أهل العصبية وشوكة النسب كمثل دولة