ابن خلدون
329
تاريخ ابن خلدون
نفرات وتسلم البلاد من ناصر الدين بن تقى الدين وأنزل بها عماله واستصحبه وسائر لعساكر الجزرية إلى صلاح الدين بالقدس ولما بلغ الإفرنج أن صلاح الدين ابنه الأفضل وأخاه العادل وفرق العساكر عليهما ولم يبق معه بالقدس الا بعض لخاصة فطمعوا فيه وأغاروا على عسكر مصر وهو قاصد إليه ومقدمهم سليمان أخو لعادل لامه فأخذوه بنواحي الخليل وقتلوا وغنموا ونجا فلهم إلى جبل الخليل وساروا لي الداروم فخربوه ثم ساروا إلى القدس وانتهوا إلى بيت قوجة على فرسخين من لقدس تاسع جمادى الأولى من سنة ثمان وثمانين واستعد صلاح الدين للحصار وفرق براج السور على أمرائه وسلط السرايا والبعوث عليهم فرأوا ما لا قبل لهم به فتأخروا عن منازلتهم بيافا وأصبحت بقولهم وميرتهم غنائم للمسلمين وبلغهم أن العساكر الشرقية التي مع العادل والأفضل عادت إلى دمشق فعادوا إلى عكا وعزموا على محاصرة بيروت فأمر صلاح الدين ابنه الأفضل أن يسير في العساكر الشرقية إليها فسار وانتهى إلى مرج العيون فلم يبرح الإفرنج من عكا واجتمع عند صلاح الدين خلال ذلك العساكر من حلب وغيرها فسار إلى يافا فحاصرها وملكها عنوة في عشري رجب من السنة ثم حاصر القلعة بقية يومه وأشرفوا على فتحها وكانوا ينتظرون المدد من عكا فشغلوا المسلمين يطلب الأمان إلى الغد فأجابوهم إليه وجاءهم ملك انكلطيرة ليلا وتبعه مدد عكا وبرز من الغد فلم يتقدم إليه أحد من المسلمين ثم نزل بين السماطين وجلس للأكل وأمر صلاح الدين بالحملة عليهم فتقدم أخ المشطوب وكان يلقب بالجناح وقال لصلاح الدين نحن نتقدم للقتال ومماليكك للغنيمة فغضب صلاح الدين وعاد عن الإفرنج إلى خيامه حتى جاء ابنه الأفضل وأخوه العادل فرحل إلى الرملة ينتظر مآل أمره مع الإفرنج وأقاموا بيافا والله تعالى أعلم * ( الصلح بين صلاح الدين والإفرنج ومسير ملك انكلطيرة إلى بلاده ) * كان ملك انكلطيرة إلى هذه المدة قد طال مغيبه عن بلاده ويئس من بلاد الساحل لان المسلمين استولوا عليه فأرسل إلى صلاح الدين يسأله في الصلح وظن صلاح الدين أن ذلك مكر فلم يجبه وطلب الحرب فألح ملك انكلطيرة في السؤال وظهر صدق ذلك منه فترك ما كان فيه من عمارة عسقلان وغزة والداروم والرملة وبعث إلى الملك العادل بأن بتوسط في ذلك فأشار على صلاح الدين بالإجابة هو وساتر الأمراء لما حدث عند العسكر من الضجر ونفاد النفقات وهلاك الدواب والأسلحة وما بلغهم أن ملك انكلطيرة عائد إلى بلاده وإن لم تقع الإجابة آخر فصل الشتاء امتنع ركوب البحر فيقيم إلى قابل فلما وعى ذلك صلاح الدين وعلم صحته أجاب إلى الصلح وعقد الهدنة مع رسل الإفرنج في