ابن خلدون

220

تاريخ ابن خلدون

ولما استولت أم فاتك على بنى جياش أيام ابنها فاتك بن منصور أحسنت فيه المعتقد وأطلقت له ولقرابته وأصهاره خرجهم فحسنت أحوالهم وآثروا وركبوا الخيول وكان يقول في وعظه دنا الوقت يشير إلى وقت ظهوره واشتهر ذلك عنه وكانت أم فاتك تصل أهل الدولة عنه فلما ماتت سنة خمس وأربعين جاءه أهل الجبال وحالفوه على النصرة وخرج من تهامة سنة ثمان وثلاثين وقصد الكودا فانهزم وعاد إلى الجبال وأقام إلى سنة احدى وأربعين ثم اعادته الحرة أم فاتك إلى وطنه وماتت سنة خمس وأربعين فخرج إلى خوازن ونزل ببطن منهم يقال له حيوان في حصن يسمى الشرف وهو حصن صعب ليس يرتقى على مسيرة يوم من سفح الجبل في طريقه أو عار في واد ضيق عقبة كؤد وأصحابه سماهم الأنصار وسمى كل من صعد معه من تهامة المهاجرين وأمر للأنصار رجلا اسمه سبا وللمهاجرين آخر اسمه شيخ الاسلام واسمه النوبة واحتجب عمن سواهما وجعل يشن الغارات على أرض تهامة وأعانه على ذلك خراب النواحي بزبيد فأخرب سابلتها ونواحيها وانتهى إلى حصن الدائر على نصف مرحلة من زبيد وأعمل الحيل في قتل مسرور مدبر الدولة فقتل كما مر وأقام يخيف زبيد بالزحوف قال عمارة زاحفها سبعين وحفا وحاصرها طويلا واستمدوا الشريف أحمد بن حمزة السليماني صاحب صعدة فأمدهم وشرط عليهم قتل سيدهم فاتك فقتلوه سنة ثلاث وخمسين وملك عليهم الشريف ثم عجز وهرب عنهم واستولى علي بن مهدي عليها في رجب سنة أربع وخمسين ومات لثلاثة أشهر من ولايته وكان يخطب له بالامام المهدى أمير المؤمنين وقامع الكفرة والملحدين وكان على رأى الخوارج يتبرأ من على وعثمان ويكفر بالذنوب وله قواعد وقواميس في مذهبه يطول ذكرها وكان يقتل على شرب الخمر قال عمارة كان يقتل من خالفه من أهل القبلة ويبيح نساءهم وأولادهم وكانوا يعتقدون فيه العصمة وكانت أموالهم تحت يده ينفقها عليهم في مؤنهم ولا يملكون معه مالا ولا فرسا ولا سلاحا وكان يقتل المنهزم من أصحابه ويقتل الزاني وشارب الخمر وسامع الغناء ويقتل من تأخر عن صلاة الجماعة ومن تأخر عن وعظه يوم الاثنين والخميس وكان حنفيا في الفروع ولما توفى تولى بعده ابنه عبد النبي وخرج من زبيد واستولى على اليمن أجمع وبه يومئذ خمس وعشرون دولة فاستولى على جميعها ولم يبق له سوى عدن ففرض عليها الجزية ولما دخل شمس الدولة تور شاه بن أيوب أخو صلاح الدين سنة ست وستين وخمسمائة واستولى على الدولة التي كانت باليمن فقبض على عبد النبي وامتحنه وأخذ منه أموالا عظيمة وحمله إلى عدن فاستولى عليها ثم نزل زبيد واتخذها كرسيا لملكه ثم استوخمها وسار في الجبال ومعه الأطباء يتخير مكانا صحيح الهواء ليتخذ فيه سكناه فوقع