ابن خلدون
176
تاريخ ابن خلدون
من وراء جزيرة الأندلس وهو صاحب جزيرة اركبلطرة وتسمى بنسر غالس وفد عليه صريخا وزوجه بنته فبعث ابنه لنصره في أمم الإفرنج وانهزم الفنش أمامهم وارتجع بطرة البلاد حتى إذا رجعت عساكر الإفرنجة رجع الفنش فارتجع البلاد ثانيا وحاصر أخاه بطرة في بعض حصون جليقة حتى أخذه وقتله واستولى على ملكهم واغتنم السلطان صاحب غرناطة شغلهم بهذه الفتنة فاعتز عليهم ومنع الجزية التي كانوا يأخذونها من المسلمين منذ عهد سلفه فأقاموا من لدن سنة ثنتين وسبعين لا يعطونهم شيئا واستمر على ذلك وسما إلى مطالبتهم بنسر غالس ملك الفرنجة من ورائهم الذي جاء لنصر بطرة وأنكحه بطرة ابنته وولدت له ولدا فزعم أبوه هذا الملك أنه أحق بالملك من الفنش وغيره على عادة العجم في تمليك الأسباط من ولد البطن وطالت الحرب بينهما ونزل بالجلالقة من ذلك شغل شاغل واقتطع الكثير من ثغورهم وبلادهم فمنعهم ابن الأحمر الجزية واعتز عليهم كما ذكرناه والحال على ذلك لهذا العهد وأما ملوك المغرب فان السلطان عبد العزيز بن السلطان أبى الحسن لما استبد بملكه واستفحل أمره وكان عبد الرحمن بن أبي يفلوسن مقدما على الغزاة بالأندلس كما قلناه وهو قسيمه في النسب ومرادفه في الترشيح للملك فعثر السلطان عبد العزيز على مكاتبة بينه وبين أهل دولته فارتاب وبعث إلى ابن الأحمر في حبسه فحبسه وحبس معه الأمير مسعود بن ماسى لكثرة خوضه في الفتنة ومكاتبته لأهل الدولة فلما توفى السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وبويع ابنه محمد السعيد يافعا وكفله وزير أبيه أبو بكر بن غازي الثائر أطلق ابن الأحمر عبد الرحمن بن يفلوسن من محبسه فنقم ذلك عليه الوزير أبو بكر كافل الدولة بالمغرب واعتزم على بعث الرؤساء من قرابة ابن الأحمر إلى الأندلس لمنازعته ومده بالمال والجيش وبلغ ذلك ابن الأحمر فعاجله عند وسار في العساكر إلى فرضة المجاز ونازل جبل الفتح ومعه ابن يفلوسن وابن ماسى وأركبهما السفن فنزلوا ببلاد بطرة فاضطرب المغرب واشتد الحصار على أهل جبل الفتح واستأمنوا لابن الأحمر وأطاعوه وكان بسبتة محمد بن عثمان بن الكاس صهر أبى بكر بن غازي وقريبه بعثه لضبط المراسي عندما نزل ابن الأحمر على الجبل وبطنجة يومئذ جماعة من ولد السلطان أبى الحسن المرشحين محبوسون منذ عهد عبد العزيز فوقعت المراسلة من السلطان ابن الأحمر ومحمد ابن عثمان ونكر عليه مبايعتهم لولد صغير لم يراهق وأشار بيعة واحد من أولئك المرشحين المحبوسين بطنجة ووعده بالمظاهرة والمدد بالمال والجيش ووقع اختيار محمد ابن عثمان على السلطان أبى العباس أحمد فأخرجه وبايع له وقد كان أولئك الفتية تعاهدوا في محبسهم أن من استولى منهم على الملك أطلق الباقين منهم فوفى لهم السلطان