ابن خلدون

537

تاريخ ابن خلدون

بين الملوك وأهل الدول الا ويحدث فيها بين هؤلاء ما يعنى أهل الدولة خاصة زيادة لما يحدث منهم أيام سكون الدول واستقامتها وضاقت الأحوال على المستعصم فأسقط أهل الجند وفرض أرزاق الباقين على البياعات والأسواق وفى المعايش فاضطرب الناس وضاقت الأحوال وعظم الهرج ببغداد ووقعت الفتن بين الشيعة وأهل السنة وكان مسكن الشيعة بالكرخ في الجانب الغربي وكان الوزير ابن العلقمي منهم فسطوا بأهل السنة وأنفذ المستعصم ابنه أبا بكر وركن الدين الدوادار وأمرهم بنهب بيوتهم بالكرخ ولم يراع فيه ذمة الوزير فآسفه ذلك وتربص بالدولة وأسقط معظم الجند يموه بأنه يدافع التتر بما يتوفر من أرزاقهم في الدولة وزحف هلاكو ملك التتر سنة ثنتين وخمسين إلى العراق وقد فتح الري وأصبهان وهمذان وتتبع قلاع الإسماعيلية ثم قصد قلعة الموت سنة خمس وخمسين فبلغه في طريقه كتاب ابن الصلايا صاحب إربل وفيه وصية من ابن العلقمي وزير المستعصم إلى هلاكو يستحثه لقصد بغداد ويهون عليه أمرها فرجع عن بلاد الإسماعيلية وسار إلى بغداد واستدعى أمراء النتر فجاءه بنحو مقدم العسكر ببلاد الروم وقد كانوا ملكوها ولما قاربوا بغداد برز للقائهم ايبك الدوادار في العساكر فانكشف التتر أولا ثم تذامروا فانهزم المسلمون واعترضتهم دون بغداد أو حال مياه من بثوق انتفثت من دجلة فتبعهم التتر دونها وقتل الدوادار وأسر الأمراء الذين معه ونزل هلاكو بغداد وخرج إليه الوزير مؤيد الدين بن العلقمي فاستأمن لنفسه ورجع بالأمان إلى المستعصم وانه يبقيه على خلافته كما فعل بملك بلاد الروم فخرج المستعصم ومعه الفقهاء والأعيان فقبض عليه لوقته وقتل جميع من كان معه ثم قتل المستعصم شدخا بالعمد ووطأ بالاقدام لتجافيه بزعمه عن دماء أهل البيت وذلك سنة ست وخمسين وركب إلى بغداد فاستباحها واتصل العيث بها أياما وخرج النساء والصبيان وعلى رؤسهم المصاحف والألواح فداستهم العساكر وماتوا أجمعون ويقال ان الذي أحصى ذلك اليوم من القتلى ألف ألف وستمائة ألف واستولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يبلغه الوصف ولا يحصره الضبط والعد وألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم جميعها في دجلة وكانت شيئا لا يعبر عنه مقابلة في زعمهم بما فعله المسلمون لأول الفتح في كتب الفرس وعلومهم واعتزم هلاكو على اضرام بيوتها نارا فلم يوافقه أهل مملكته ثم بعث العساكر إلى ميا فارقين فحاصروها سنين ثم جهدهم الحصار واقتحموها عنوة وقتل حاميتها جميعا وأميرهم من بنى أيوب وهو الملك ناصر الدين محمد بن شهاب الدين غازي بن العادل أبى بكر بن أيوب وبايع له صاحب الموصل وبعث بالهدية والطاعة وولاه على عمله