ابن خلدون
421
تاريخ ابن خلدون
إلى داره فاعتقله بها واضطرب الناس وعظم النهب ونهب دار الخلافة وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفى وكان ذلك في جمادى الآخرة لسنة وأربعة أشهر من خلافته ثم بويع أبو القاسم الفضل بن المقتدر وقد كان المستكفى طلبه حين ولى لاطلاقه على شأنه في طلب الخلافة فلم يظفر به واختفى فلما جاء معز الدولة تحول إلى داره واختفى عنده فلما قبض على المستكفى بويع له ولقب المطيع لله ثم أحضر المستكفى عنده فأشهد على نفسه بالخلع وسلم عليه بالخلافة ولم يبق للخليفة من الامر شئ البتة منذ أيام معز الدولة ونظر وزير الخليفة مقصور على اقطاعه ونفقات داره والوزارة منسوبة إلى معز الدولة وقومه من الديلم شيعة للعلوية منذ اسلامهم على يد الأطروش فلم يكونوا من شيعة العباسية في شئ ولقد يقال بأن معز الدولة اعتزم على نقل الخلافة منهم إلى العلوية فقال له بعض أصحابه لا تول أحدا يشركك قومك كلهم في محبته والاشتمال عليه وربما يصير لهم دونك فأعرض عن ذلك وسلبهم الامر والنهى وتسلم عماله وجنده من الديلم وغيرهم أعمال العراق وسائر أراضيه وصار الخليفة انما يتناول منه ما يقطعه معز الدولة ومن بعده فما يسد بعض حاجاته نعم انهم كانوا يفردونهم بالسرير والمنبر والسكة والختم على الرسائل والصكوك ولجلوس للوفد واجلالهم في التحية والخطاب وكل ذلك طوع القائم على الدولة وكان يفرد في كل دولة بنى بويه والسلجوقية بلقب السلطان مما لا يشاركه فيه أحد ومعنى الملك من تصريف القدرة واظهار الأبهة والعز حاصل له دون الخليفة وغيره وكانت الخلافة حاصلة للعباسي المنصوب لفظا مسلوبة معنى والله المدبر للأمور لا اله غيره * ( انقلاب حال الدولة بما تجدد في الجباية والأقطاع ) * لما استولى معز الدولة طلب الجند أرزاقهم على عادتهم وأكثر لسبب ما تجدد من الاستيلاء الذي لم يكن له فاضطر إلى ضرب المكوس وأخذ أموال الناس من غير وجهها وأقطع قواده وأصحابه من أهل عصبيته وغير المساهمين له في الامر جميع القرى التي بجانب السلطان فارتفعت عنها أيدي العمال وبطلت الدواوين واختلف حال القرى في العمارة عما كان في أيدي القواد والرؤساء حصل بهم لأهلها الرفق فزادت عمارتها وتوفر دخلها ولم تكن مناظرتهم في ذلك ولا تقديره عليهم وما كان بأيدي العامة والاتباع عظم خرابه لما كان يعدم من الغلاء والنهب واختلاف الأيدي وما يزيد الآن من الظلم ومصادرات الرعايا والحيف في الجباية واهمال النظر في تعديل القناطر والمشارب وقسم المياه على الأرضين فإذا خرجت قراهم ردوها وطلبوا العوض عنها فيصير الآخر منها لما صار إليه الأول ثم أمر معز الدولة قواده وأصحابه