ابن خلدون

411

تاريخ ابن خلدون

لها في مصادمة الماء وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في الأساطيل وهذه الصناعة من أصلها محتاجة إلى أصل كبير من الهندسة في جميع أصنافها لان اخراج الصور من القوة إلى الفعل على وجه الاحكام محتاج إلى معرفة التناسب في المقادير إما عموما أو خصوصا وتناسب المقادير لابد فيه من الرجوع إلى المهندس ولهذا كانت أئمة الهندسة اليونانيون كلهم أئمة في هذه الصناعة فكان أوقليدوس صاحب كتاب الأصول في الهندسة نجارا وبها كان يعرف وكذلك أبلونيوس صاحب كتاب المخروطات وميلاوش وغيرهم وفيما يقال أن معلم هذه الصناعة في الخليقة هو نوح عليه السلام وبها أنشأ سفينة النجاة التي كانت بها معجزته عند الطوفان وهذا الخبر وإن كان ممكنا أعني كونه نجارا إلا أن كونه أول من علمها أو تعلمها لا يقوم دليل من النقل عليه لبعد الآماد وإنما معناه والله أعلم الإشارة إلى قدم النجارة لأنه لم يصح حكاية عنها قبل خبر نوح عليه السلام فجعل كأنه أول من تعلمها فتفهم أسرار الصنائع في الخليفة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل السابع والعشرون في صناعة الحياكة والخياطة هاتان الصناعتان ضروريتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرفه فالأولى لنسج الغزل من الصوف والكتان والقطن إسداء في الطول وإلجاما في العرض لذلك النسج بالالتحام الشديد فيتم منها قطع مقدرة فمنها الأكسية من الصوف للاشتمال ومنها الثياب من القطن والكتان للباس والصناعة الثانية لتقدير المنسوجات على اختلاف الاشكال والعوائد تفصل بالمقراض قطعا مناسبة للأعضاء البدنية ثم تلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلا أو تنبيتا أو تفسحا على حسب نوع الصناعة وهذه الصناعة مختصة بالعمران الحضري لما أن أهل البدو يستغنون عنها وإنما يشتملون الأثواب اشتمالا وإنما تفصيل الثياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها وتفهم هذه في سر تحريم المخيط في الحج لما أن مشروعية الحج مشتملة على نبذ العلائق الدنيوية كلها والرجوع إلى الله تعالى