ابن خلدون

373

تاريخ ابن خلدون

الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الايمان والربا في البياعات ثم تجدهم أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه حتى بين الأقارب وذوي المحارم الذين تقتضي البداوة الحياء منهم في الاقذاع بذلك وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة يدفعون بذلك ما عساه أن ينالهم من القهر وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم إلا من عصمه الله ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الاخلاق الذميمة ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم ممن أهمل عن التأديب وغلب عليه خلق الجوار وإن كانوا أهل أنساب وبيوتات وذلك أن الناس بشر متماثلون وإنما تفاضلوا وتميزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل فمن استحكمت فيه لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته ولهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوت وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدول منطرحين في الغمار منتحلين للحرف الدنيئة في معاشهم بما فسد من أخلاقهم وما تلونوا به من صبغة الشر والسفسفة وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة تأذن الله بخرابها وانقراضها وهو معنى قوله تعالى وإذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا . ووجهه حينئذ ان مكاسبهم حينئذ لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها فلا تستقيم أحوالهم وإذا فسدت أحوال الاشخاص واحدا واحدا اختل نظام المدينة وخربت وهذا معنى ما يقوله بعض أهل الخواص أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج تأذنت بالخراب حتى أن كثيرا من العامة يتحامى غرس النارنج بالدور وليس المراد ذلك ولا أنه خاصية في النارنج وإنما معناه أن البساتين وإجراء المياه هو من توابع الحضارة ثم إن النارنج واللية والسرو وأمثال ذلك مما لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية الحضارة إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف وهذا هو الطور الذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه كما قلناه ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى وهو من هذا الباب إذ الدفلى لا يقصد بها إلا تلون البساتين بنورها ما بين أحمر وأبيض وهو من مذاهب الترف . ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها لكثرة الترف فيقع التفنن في شهوات