ابن خلدون
364
تاريخ ابن خلدون
فيتمسكون بما يحصل منه في أيديهم ويحتكرونه فيعز وجوده لديهم ويغلو ثمنه على مستامه وأما مرافقهم فلا تدعو إليها أيضا حاجة بقلة الساكن وضعف الأحوال فلا تنفق لديهم سوقه فيختص بالرخص في سعره وقد يدخل أيضا في قيمة الأقوات قيمة ما يعرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان في الأسواق وباب الحفر والحياة في منافع وصولها عن البيوعات لما يمسهم وبذلك كانت الأسعار في الأمصار أغلى من الأسعار في البادية إذ المكوس والمغارم والفرائض قليلة لديهم أو معدومة وكثرتها في الأمصار لا سيما في آخر الدولة وقد تدخل أيضا في قيمة الأقوات قيمة علاجها في التاريخ ويحافظ على ذلك في أسعارها كما وقع بالأندلس لهذا العهد وذلك أنهم بما ألجأهم النصارى إلى سيف البحر وبلاده المتوعرة الخبيثة الزارعة النكدة النبات وملكوا عليهم الأرض الزاكية والبلد الطيب فاحتاجوا إلى علاج المزارع والفدن لاصلاح نباتها وفلحها وكان ذلك العلاج باعمال ذات قيم ومواد من الزبل وغيره لها مؤنة وصارت في فلحهم نفقات لها خطر فاعتبروها في سعرهم واختص قطر الأندلس بالغلاء منذ اضطرهم النصارى إلى هذا المعمور بالاسلام مع سواحلها لأجل ذلك ويحسب الناس إذا سمعوا بغلاء الأسعار في قطرهم أنها لقلة الأقوات والحبوب في أرضهم وليس كذلك فهم أكثر أهل المعمور فلحا فيما علمناه وأقومهم عليه وقل أن يخلو منهم سلطان أو سوقة عن فدان أو مزرعة أو فلح إلا قليل من أهل الصناعات والمهن أو الطراء على الوطن من الغزاة المجاهدين ولهذا يختصهم السلطان في عطائهم بالعولة وهي أقواتهم وعلوفاتهم من الزرع وإنما السبب في غلاء سعر الحبوب عندهم ما ذكرناه . ولما كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في زكاء منابتهم وطيب أرضهم ارتفعت عنهم المؤن جملة في الفلح مع كثرته وعمومته فصار ذلك سببا لرخص الأقوات ببلدهم والله مقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار لا رب سواه الفصل الثالث عشر في قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران والسبب في ذلك أن المصر الكثير العمران يكثر ترفه كما قدمناه وتكثر