ابن خلدون

344

تاريخ ابن خلدون

الفصل الثاني في أن الملك يدعو إلى نزول الأمصار وذلك أن القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطروا للاستيلاء على الأمصار لامرين أحدهما ما يدعو إليه الملك من الدعة والراحة وحط الأثقال واستكمال ما كان ناقصا من أمور العمران في البدو والثاني دفع ما يتوقع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين لان المصر الذي يكون في نواحيهم ربما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الذي سموا إليه من أيديهم فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم ومغالبة المصر على نهاية من الصعوبة والمشقة والمصر يقوم مقام العساكر المتعددة لما فيه من الامتناع ونكاية الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة لان الشوكة والعصابة إنما احتيج إليهما في الحرب للثبات لما يقع من بعد كرة القوم بعضهم على بعض عند الجولة وثبات هؤلاء بالجدران فلا يضطرون إلى كبير عصابة ولا عدد فيكون حال هذا الحصن ومن يعتصم به من المنازعين مما يفت في عضد الأمة التي تروم الاستيلاء ويخضد شوكة استيلائها فإذا كانت بين أجنابهم أمصار انتظموها في استيلائهم للأمن من مثل هذا الانخرام وإن لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أولا وحط أثقالهم وليكون شجا في حلق من يروم العزة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم فتعين أن الملك يدعو إلى نزول الأمصار والاستيلاء عليها والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه الفصل الثالث في أن المدن العظيمة والهياكل المرتفعة انما يشيدها الملك الكثير قد قدمنا ذلك في آثار الدولة من المباني وغيرها وأنها تكون على نسبتها وذلك أن تشييد المدن إنما يحصل باجتماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم فإذا كانت الدولة عظيمة متسعة الممالك حشر الفعلة من أقطارها وجمعت أيديهم على عملها وربما استعين في ذلك في أكثر الامر بالهندام الذي يضاعف القوي والقدر في حمل أثقال البناء