ابن خلدون
301
تاريخ ابن خلدون
لمتونة على ملوكه من مغراوة فطاولوهم سنين ثم استولوا عليه ثم خرج الموحدون بدعوتهم على لمتونة فمكثوا نحوا من ثلاثين سنة يحاربونهم حتى استولوا على كرسيهم بمراكش وكذا بنو مرين من زناتة خرجوا على الموحدين فمكثوا يطاولونهم نحوا من ثلاثين سنة واستولوا على فاس واقتطعوها وأعمالها من ملكهم ثم أقاموا في محاربتهم ثلاثين أخرى حتى استولوا على كرسيهم بمراكش حسبما نذكر ذلك كله في تواريخ هذه الدول فهكذا حال الدول المستجدة مع المستقرة في المطالبة والمطاولة سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا يعارض ذلك بما وقع في الفتوحات الاسلامية وكيف كان استيلاؤهم على فارس والروم لثلاث أو أربع من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن ذلك إنما كان معجزة من معجزات نبينا سرها استماتة المسلمين في جهاد عدوهم استبعادا بالايمان وما أوقع الله في قلوب عدوهم من الرعب والتخاذل فكان ذلك كله خارقا للعادة المقررة في مطاولة الدول المستجدة للمستقرة وإذا كان ذلك خارقا فهو من معجزات نبينا صلوات الله عليه المتعارف ظهورها في الملة الاسلامية والمعجزات لا يقاس عليها الأمور العادية ولا يعترض بها والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الخمسون في وفور العمران اخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات إعلم أنه قد تقرر لك فيما سلف أن الدولة في أول أمرها لابد لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها إما من الدين إن كانت الدعوة دينية أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعية للدول وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر ويكثر التناسل وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء ولا تقولن إنه قد مر لك أن أواخر الدولة يكون فيها الاجحاف بالرعايا وسوء الملكة فذلك صحيح ولا يعارض ما قلناه لان الاجحاف وإن حدث حينئذ وقلت الجبايات فإنما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين من أجل التدريج