ابن خلدون
292
تاريخ ابن خلدون
الغالب إلا أواخر الدولة كما قدمناه في الحجر ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوتها وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم لان القائمين بالدولة يحاولون على ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب الاستبداد من أعقاب ملوكهم لما ركب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه الفصل الخامس والأربعون في انقسام الدولة الواحدة بدولتين إعلم أن أول ما يقع من آثار الهرم من الدولة انقسامها وذلك أن الملك عندما يستفحل ويبلغ من أحوال الترف والنعيم إلى غايتها ويستبد صاحب الدولة بالمجد وينفرد به ويأنف حينئذ عن المشاركة ويصير إلى قطع أسبابها ما استطاع باهلاك من استراب به من ذوي قرابته المرشحين لمنصبه فربما ارتاب المساهمون له في ذلك بأنفسهم ونزعوا إلى القاصية إليهم من يلحق بهم مثل حالهم من الاغترار والاسترابة ويكون نطاق الدولة قد أخذ في التضايق ورجع عن القاصية فيستبد ذلك النازع من القرابة فيها ولا يزال أمره يعظم بتراجع نطاق الدولة حتى يقاسم الدولة أو يكاد وانظر ذلك في الدولة الاسلامية العربية حين كان أمرها حريزا مجتمعا ونطاقا ممتدا في الاتساع وعصبية بني عبد مناف واحدة غالبة على سائر مضر فلم ينبض عرق من الخلافة سائر أيامه إلا ما كان من بدعة الخوارج المستميتين في شان بدعتهم لم يكن ذلك لنزعة ملك ولا رئاسة ولم يتم أمرهم لمزاحمتهم العصبية القوية ثم لما خرج الامر من بني أمية واستقل بنو العباس بالأمر وكانت الدولة العربية قد بلغت الغاية من الغلب والترف وآذنت بالتقلص عن القاصية نزع عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس قاصية دولة الاسلام فاستحدث بها ملكا واقتطعها عن دولتهم وصير الدولة دولتين ثم نزع إدريس إلى المغرب وخرج به وقام بأمره وأمر ابنه من بعده البرابرة من أوروبا ومغيلة وزناتة واستولى على ناحية المغربين ثم ازدادت الدولة تقلصا فاضطرب الأغالبة في الامتناع عليهم ثم خرج الشيعة وقام بأمرهم كتامة وصنهاجة واستولوا على أفريقية والمغرب ثم مصر والشام والحجاز وغلبوا على الأدارسة وقسموا الدولة دولتين أخريين وصارت الدولة العربية ثلاث دول دولة بني العباس