ابن خلدون
268
تاريخ ابن خلدون
إنما يسكنون بيوتهم التي كانت لهم خياما من الوبر والصوف ولم تزل العرب لذلك العهد بادين إلا الأقل منهم فكانت أسفارهم لغزواتهم وحروبهم بظعونهم وسائر حللهم وأحيائهم من الأهل والولد كما هو شأن العرب لهذا العهد وكانت عساكرهم لذلك كثيرة الحلل بعيدة ما بين المنازل متفرقة الاحياء يغيب كل واحد منها عن نظر صاحبه من الأخرى كشأن العرب ولذلك ما كان عبد الملك يحتاج إلى ساقة تحشد الناس على أثره أن يقيموا إذا ظعن ونقل أنه استعمل في ذلك الحجاج حين أشار به روح بن زنباغ وقصتهما في إحراق فساطيط روح وخيامه لأول ولايته حين وجدهم مقيمين في يوم رحيل عبد الملك قصة مشهورة ومن هذه الولاية تعرف رتبة الحجاج بين العرب فإنه لا يتولى إرادتهم على الظعن إلا من يأمن بوادر السفهاء من أحيائهم بما له من العصبية الحائلة دون ذلك ولذلك اختصه عبد الملك بهذه الرتبة ثقة بغنائه فيها بعصبيته وصرامته فلما تفننت الدولة العربية في مذاهب الحضارة والبذخ ونزلوا المدن والأمصار وانتقلوا من سكنى الخيام إلى سكنى القصور ومن ظهر الخف إلى ظهر الحافر اتخذوا للسكنى في أسفارهم ثياب الكتان يستعملون منها بيوتا مختلفة الاشكال مقدرة الأمثال من القوراء والمستطيلة والمربعة ويحتفلون فيها بأبلغ مذاهب الاحتفال والزينة ويدير الأمير والقائد للعساكر على فساطيطه وفازاته من بينهم سياجا من الكتان يسمى في المغرب بلسان البربر الذي هو لسان أهله أفراك بالكاف والقاف ويختص به السلطان بذلك القطر لا يكون لغيره . وأما في المشرق فيتخذه كل أمير وإن كان دون السلطان ثم جنحت الدعة بالنساء والولدان إلى المقام بقصورهم ومنازلهم فخف لذلك ظهرهم وتقاربت السياج بين منازل العسكر واجتمع الجيش والسلطان في معسكر واحد يحصره البصر في بسيطة زهوا أنيقا لاختلاف ألوانه واستمر الحال على ذلك في مذاهب الدول في بذخها وترفها وكذا كانت دولة الموحدين وزناتة التي أظلتنا كان سفرهم أول أمرهم في بيوت سكناهم قبل الملك من الخيام والقياطين حتى إذا أخذت الدولة في مذاهب الترف وسكنى القصور وعادوا إلى سكنى الأخبية والفساطيط بلغوا من ذلك فوق ما أرادوه وهو من الترف بمكان إلا أن العساكر به تصير عرضة للبيات لاجتماعهم في مكان واحد تشملهم