ابن خلدون

207

تاريخ ابن خلدون

يظلم مثقال ذرة ومن تأمل سير هؤلاء الخلفاء والملوك واختلافهم في تحري الحق من الباطل علم صحة ما قلناه وقد حكاه المسعودي مثله في أحوال بني أمية عن أبي جعفر المنصور وقد حضر عمومته وذكروا بني أمية فقال أما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي بما صنع وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه وأما عمر فكان أعور بين عميان وكان رجل القوم هشام قال ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه ويصونون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالي الأمور ورفضهم دنياتها حتى أفضى الامر إلى أبنائهم المترفين فكانت همتهم قصد الشهوات وركوب اللذات من معاصي الله جهلا باستدراجه وأمنا لمكره مع اطراحهم صيانة الخلافة واستخفافهم بحق الرئاسة وضعفهم عن السياسة فسلبهم الله العز وألبسهم الذل ونفى عنهم النعمة ثم استحضر عبد الله ( 1 ) بن مروان فقص عليه خبره مع ملك النوبة لما دخل أرضهم فارا أيام السفاح قال أقمت مليا ثم أتاني ملكهم فقعد على الأرض وقد بسطت لي فرش ذات قيمة فقلت ما منعك عن القعود على ثيابنا فقال إني ملك وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله ثم قال لي لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا قال فلم تطؤون الزرع بدوا بكم والفساد محرم عليكم قلت فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم قال فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير وهو محرم عليكم في كتابكم قلت ذهب منا الملك وانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا فأطرق ينكث بيده في الأرض ويقول عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا ثم رفع رأسه إلي وقال ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما عنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزود ما احتجت إليه وارتحل عن أرضي فتعجب المنصور وأطرق فقد تبين لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك وأن الامر كان في أوله خلافة ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى

--> ( 1 ) قوله عبد الله كذا في النسخة التونسية وبعض الفارسية وفي بعضها عبد الملك وأظنه تصحيفا قاله نصر