ابن خلدون

175

تاريخ ابن خلدون

من القوة واعتبر هذا بما وقع في الدولة العربية في الاسلام كان عدد العرب كما قلنا لعهد النبوءة والخلافة مائة وخمسين ألفا وما يقاربها من مضر وقحطان ولما بلغ الترف مبالغة في الدولة وتوفر نموهم بتوفر النعمة واستكثر الخلفاء من الموالي والصنائع بلغ ذلك العدد إلى أضعافه يقال إن المعتصم نازل عمورية لما افتتحها في تسعمائة ألف ولا يبعد مثل هذا العدد أن يكون صحيحا إذا اعتبرت حاميتهم في الثغور الدانية والقاصية شرقا وغربا إلى الجند الحاملين سرير الملك والموالي والمصطنعين وقال المسعودي أحصى بنو العباس ابن عبد المطلب خاصة أيام المأمون للانفاق عليهم فكانوا ثلاثين ألف بين ذكران وإناث فانظر مبالغ هذا العدد لأقل من مائتي سنة واعلم أن سببه الرفه والنعيم الذي حصل للدولة وربي فيه أجيالهم وإلا فعدد العرب لأول الفتح لم يبلغ هذا ولا قريبا منه والله الخلاق العليم الفصل السابع عشر في أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها باختلاف الأطوار إعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجددة ويكتسب القائمون بها في كل طور خلقا من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الاخر لان الخلق تابع بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار الطور الأول طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية لا ينفرد دونهم بشئ لان ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبة الضاربين في الملك بمثل سهمه فهو يدافعهم عن الامر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه حتى يقر الامر في نصابه ويفرد أهل بيته بما يبني من مجده فيعاني من مدافعتهم ومغالبتهم مثل ما عاناه الأولون في طلب