ابن خلدون
155
تاريخ ابن خلدون
على أمرهم قتالهم على العقائد الايمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كان طاعتها كتاب من الله لا يبدل ولا يعلم خلافه ولأمر ما يوضع الكلام في الإمامة آخر الكلام على العقائد الايمانية كأنه من جملة عقودها ويكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة إما بالموالي والمصطنعين الذين نشأوا في ظل العصبية وغيرها وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها ومثل هذا وقع لبني العباس فإن عصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم ثم تغلب العجم الأولياء على النواحي وتقلص ظل الدولة فلم تكن تعدو أعمال بغداد حتى زحف إليها الديلم وملكوها وصار الخلائق في حكمهم ثم انقرض أمرهم وملك السلجوقية من بعدهم فصاروا في حكمهم ثم انقرض أمرهم وزحف آخر التتار فقتلوا الخليفة ومحوا رسم الدولة وكذا صنهاجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها واستمرت لهم الدولة متقلصة الظل بالمهدية وبجاية والقلعة وسائر ثغور أفريقية وربما انتزى بتلك الثغور من نازعهم الملك واعتصم فيها والسلطان والملك مع ذلك مسلم لهم حتى تأذن الله بانقراض الدولة وجاء الموحدون بقوة قوية من العصبية في المصامدة فمحوا آثارهم وكذا دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها واقتسموا خطتها وتنافسوا بينهم وتوزعوا ممالك الدولة وانتزى كل واحد منهم علي ما كان في ولايته وشمخ بأنفه وبلغهم شان العجم مع الدولة العباسية فتلقبوا بألقاب ولبسوا شارته وأمنوا ممن ينقض ذلك عليهم أو يغيره لان الأندلس ليس بدار عصائب ولا قبائل كما سنذكره واستمر لهم ذلك كما قال ابن شرف مما يزهدني في أرض أندلس * أسماء معتصم فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد فاستظهروا على أمرهم الموالي والمصطنعين والطراء على الأندلس من أهل العدوة من قبائل البربر وزناتة وغيرهم اقتداء بالدولة في اخر أمرها في الاستظهار بهم حين ضعفت عصبية العرب واستبد ابن أبي عامر على الدولة فكان لهم دول عظيمة