ابن خلدون

150

تاريخ ابن خلدون

يكلفون على أهل الاعمال من الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمة ولا قسطا من الاجر والثمن والاعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب وحقيقتها وإذا فسدت الاعمال وصارت مجانا ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل وابذعر الساكن وفسد العمران وأيضا فإنهم ليست لهم عناية بالاحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو غرامة فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد وربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصا على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم وذلك ليس بمغن في دفع المفاسد وزجر المتعرض لها بل يكون ذلك زائدا فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها فوضى ( 1 ) دون حكم والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران بما ذكرناه من أن وجود الملك خاصة طبيعية للانسان لا يستقيم وجودهم واجتماعهم إلا بها وتقدم ذلك أول الفصل وأيضا فهم متنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحد منهم الامر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والاحكام فيفسد العمران وينتقض قال الأعرابي الوافد على عبد الملك لما سأله عن الحجاج وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران فقال تركته يظلم وحده وانظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان من لدن الخليفة كيف تقوض عمرانه وأقفر ساكنه وبدلت الأرض فيه غير الأرض فاليمن قرارهم خراب إلا قليلا من الأمصار وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع والشام لهذا العهد كذلك وأفريقية والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم منذ أول المائة الخامسة وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين قد لحق بها وعادت بسائطه خرابا كلها بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي كله عمرانا تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى والمدر والله

--> ومما يعزى إلى سيدنا علي لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا