ابن خلدون

139

تاريخ ابن خلدون

ربيعة المتوطنين أرياف العراق ونعيمه لما بقي مضر في بداوتهم وتقدمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة النعيم كيف أرهفت البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال بني طئ وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور ومن بعدهم لما تأخروا في باديتهم عن سائر قبائل مضر واليمن ولم يتلبسوا بشئ من دنياهم كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيتهم ولم تخلفها مذاهب الترف حتى صاروا أغلب على الامر منهم وكذا كل حي من العرب يلي نعيما وعيشا خصبا دون الحي الآخر فإن الحي المبتدئ يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافأ في القوة والعدد سنة الله في خلقه الفصل السابع عشر في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك وذلك لأنا قدمنا أن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه وقدمنا أن الآدميين بالطبيعة الانسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلا بد أن يكون متغلبا عليهم بتلك العصبية وإلا لم تتم قدرته على ذلك وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة لان الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحب العصبية إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع ووجد السبيل إلى التغلب والقهر لا يتركه لأنه مطلوب للنفس ولا يتم اقتدارها عليه إلا بالعصبية التي يكون بها متبوعا فالتغلب الملكي غاية للعصبية كما رأيت ثم إن القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات مفترقة وعصبيات متعددة فلا بد من عصبية تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى وإلا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ثم إذا حصل التغلب بتلك العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلب على أهل عصبية أخرى بعيدة عنها فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا ولكل واحدة منهما التغلب على حوزنها