ابن خلدون
124
تاريخ ابن خلدون
أهل البادية لان أهل مكة يمسهم من عصبية النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهرة والحراسة ما لا يمس غيرهم من بادية الاعراب وقد كان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة وقال صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة وعدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدأوا بها وهو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه وقيل أن ذلك كان خاصا بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين وأما بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزوا وتكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة حينئذ لقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح وقيل سقط إنشاؤها عمن يسلم بعد الفتح وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح والكل مجمعون على أنها بعد الوفاة ساقطة لان الصحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة فقول الحجاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالإشارة إلى الدعاء المأثور الذي قدمناه وهو قوله لا تردهم على أعقابهم وقوله تعربت إشارة إلى أنه صار من الاعراب الذين لا يهاجرون وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الامرين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في البدو ويكون ذلك خاصا به كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة أو يكون الحجاج إنما نعى عليه ترك السكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأن اغتنامه لاذن النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأفضل فما آثره به واختصه إلا لمعنى علمه فيه وعلى كل تقدير فليس دليلا على مذمة البدو الذي عبر عنه بالتعرب لان مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وحراسته لا لمذمة البدو فليس في النعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمة التعرب والله سبحانه أعلم وبه التوفيق