ابن خلدون
108
تاريخ ابن خلدون
التعلق به روحانية أخرى شيطانية تتشبث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع فيها بعض الصور وصرفها الخيال وربما نطق عن لسانه في تلك الحال من غير إرادة النطق وإدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لأنه لا يحصل لهم الاتصال وإن فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الأجنبية كما قررناه ومن ذلك يجئ الكذب في هذه المدارك وأما العرافون فهم المتعلقون بهذا الادراك وليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على الامر الذي يتوجهون إليه ويأخذون فيه بالظن والتخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادئ ذلك الاتصال والادراك ويدعون بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة هذا تحصيل هذه الأمور وقد تكلم عليها المسعودي في مروج الذهب فما صادف تحقيقا ولا إصابة ويظهر من كلام الرجل أنه كان بعيدا عن الرسوخ في المعارف فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله وهذه الادراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع البشر فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من إدراك غيبهم وفي كتب أهل الأدب كثير من ذلك واشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة ومن مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به ملك الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النبوءة المحمدية في قريش ورؤيا الموبذان التي أولها سطيح لما بعث إليه بها كسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النبوءة وخراب ملك فارس وهذه كلها مشهورة وكذلك العرافون كان في العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم قال فقلت لعراف اليمامة داوني * فإنك إن داويتني لطبيب وقال الآخر جعلت لعراف اليمامة حكمه * وعراف نجد إن هما شفياني فقالا شفاك الله والله ما لنا * بما حملت منك الضلوع يدان