محمد محمديان

177

حياة أمير المؤمنين ( ع ) عن لسانه

خلاف النفس رشدك ، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد ، ألا وإن مع كل جرعة شرقا وإن في كل اكلة غصصا ، لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى ، ولكل ذي رمق قوت ، ولكل حبة آكل ، وأنت قوت الموت . إعلموا أيها الناس أنه من مشي على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها ، والليل والنهار يتنازعان ( 1 ) في هدم الأعمار . يا أيها الناس كفر النعمة لؤم ، وصحبة الجاهل شؤم ، إن من الكرم لين الكلام ، ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام ، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم ، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب ، لا ترغب فيمن زهد فيك ، رب بعيد هو أقرب من قريب ، سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار ، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل ( 2 ) ، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك ، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك ، من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه ، من خاف ربه كف ظلمه ( 3 ) ، ومن لم يزغ ( 4 ) في كلامه أظهر فخره ، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة ، إن من الفساد إضاعة الزاد ، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا ، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم ، وما شر بشر بعده الجنة ، وما خير بخير بعده النار ، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية ، وعند تصحيح الضمائر تبدوا الكبائر ، تصفية العمل أشد من العمل وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد ، هيهات لولا التقى لكنت أدهى العرب ( 5 ) .

--> ( 1 ) وفي نسخة أخرى : يتسارعان . ( 2 ) المقيل من القيلولة . ( 3 ) وفي نسخة : من خاف ربه كفى عذابه . ( 4 ) أي : من لم يمل في كلامه عن الحق . ( 5 ) الدهاء : جودة الرأي والحذق ، وبمعنى المكر والاحتيال وهو المراد ههنا .