ابن حجة الحموي
242
خزانة الأدب وغاية الأرب
في أواخر ديباجة كتابه المذكور ومع هؤلاء جماعة يحضرني ذكرهم عند شعرهم ويعز علي إذ لم أرهم على تكاثرهم لفوات عصرهم وتلطف بقوله بعد ذلك ولا تقل أيها الواقف على هذا التأليف لقد أفرطت في التعصب لأهل مصر والشام على من دونهم من الأنام وهذا باطل ودعوى عدوان وحمية لأوطانك ومن جاروها من البلدان فالجواب أن الكلام في التورية لا غير ومن هنا تنقطع المادة في السير ومن ادعى أنه يأتي بدليل وبرهان فالمقياس بيننا والشقراء والميدان انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي قلت قد تقدم وتقرر أن التورية عند علماء هذا الفن بمنزلة الإنسان من العين وسموها في البلاغة سمو الذهب على العين وقد ثبت أن خواطر المتقدمين كانت بها شحيحة وأفكارهم لا تقصد مظانها وإن كانت سليمة صحيحة لكنها ربما وقعت لهم عفوا من غير مرام فنقول إنها رمية من غير رام وقد علم أن المتأخرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها والمتفكهين في أدواح الأدب بثمراتها فإذا جليت عرائس أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يمل المتأمل اللهم إلا أن يكون سيف ذهنه كليلا فيقول إنه من هذا الفن متنصل فإن هذه العرائس لم تبرز لمتأمل إلا من خدور هذا الكتاب وإذا طلبها من غيره توارت عنه بالحجاب فإذا سرح المتأمل طرفه وأمسى في كل واد من محاسنها يهيم وتنوعت حلاوات أنواعها لذوقه السليم جردت سيف العزم وأقمت لكل نوع حدا ونظمت له من أنواع التورية وأقسامها في سلك هذا النوع عقدا فإن الشيخ صفي الدين الحلي لم يذكر في شرح بديعيته نوعا من أنواع التورية ولا قسما من أقسامها بل ذكر حد التورية الذي أجمع الناس عليه وقال هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب وبعيد فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد قلت ومن أين يعرف الطالب من هذا الحد التورية المجردة والتورية المرشحة وقسميها والمبنية وقسميها والمهيأة وأقسامها وكذلك العلامة زكي الدين ابن أبي الأصبع لم يذكر في كتابه المسمى بتحرير التحبير نوعا من أنواعها ولا قسما من أقسامها مع أن كتابه ما وضع في هذا الفن له نظير بل قال التورية وتسمى التوجيه وهي أن يكون الكلام يحتمل معنيين فيستعمل المتكلم أحد احتماليه ويهمل الآخر ومراده ما أهمله لا ما استعمله وأما صاحب التلخيص فإنه قال مشيرا إلى البديع ومنه التورية وتسمى الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد وهي ضربان مجردة ومرشحة ولم يزد على هذا القدر شيئا وإذا أردت ما وعدت بإيراده من طلاوة المتأخرين في التورية شرعت في الكلام على أنواعها وأقسامها ليسير ركب الأدب في طرقها المتشعبة بدليل ويصير لديباجة هذا النوع تفصيل وقد قدمت ذكر الفاضل ومن فضل بعده في باب الاستخدام ولكن لم يمكن اختصارهم في باب التورية فإنهم فرسان حلباتها وأجل من سكن غريب نظمه بأبياتها وكل ما أوردته لهم ولغيرهم من التورية في غير بابه تعين نظم شمله هنا ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه فمن مخترعات القاضي الفاضل في التورية قوله من مديح قصيدة طائية وهي نكتة لم تختل في صدر غيره وهو أما الثريا فنعل تحت أخمصه * وكل قافية قالت لذلك طا ومثله قوله في خده فخ لعطفة صدغه * والخال حبته وقلبي الطائر