ابن حجة الحموي
239
خزانة الأدب وغاية الأرب
النبي صلى الله عليه وسلم والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي لم يستحل بانعكاس في سجيته * مدن أخا طعم معط أخا ندم قلت الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى يعذر هنا إذا احتجبت عنه مسالك الرقة لالتزامه بتسمية النوع الذي استوعب جزءا كبيرا من بيته وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي بحر وذو أدب بدا وذو رحب * لم يستحل بانعكاس ثابت القدم وقد حبست عنان القلم هنا عن الإطناب في انسجام هذا البيت ورقة ألفاظه وتمكين قافيته علما أن في إنصاف أصحاب الذوق السليم من أهل الأدب ما يغني عن ذلك والله أعلم ( ذكر التورية ) أوصافه الغر قد حلت بتورية * جيدي وعقد لساني بعد ذا وفمي التورية يقال لها الإيهام والتوجيه والتخيير والتورية أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمى لأنها مصدر وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر وهي في الاصطلاح أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان حقيقيان أو حقيقة ومجازا أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية فيريد المتكلم المعنى البعيد ويوري عنه بالمعنى القريب فيتوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك ولأجل هذا سمي هذا النوع إيهاما ومثل ذلك قول أبي العلاء المعري وحرف كنون تحت راء ولم يكن * بدال يؤم الرسم غيره النقط فمن سمع هذا البيت توهم أنه يريد براء ودال حرفي الهجاء لأنه صدر بيته بذكر الحروف وأتبع ذلك بالرسم والنقط وهذا هنا هو المعنى القريب المتبادر أولا إلى ذهن السامع والمراد غيره وهو المعنى البعيد المورى عنه بالقريب لأن مراده بالحرف الناقة وبحرف النون تشبيه الناقة به في تقويسها وضمورها وبراء اسم الفاعل من رأى إذا ضرب الرئة وبدال اسم الفاعل من دلا يدلو إذا رفق في السير وبالرسم أثر الدار وبالنقط المطر ومعنى هذا البيت أن هذه الناقة لضعفها وانحنائها مثل نون تحت رجل يضرب رئتيها ولم يرفق بها في السير فهو غير دال وقد تقدم أن الدالي هو الرفيق ويؤم بها دارا غير المطر رسمها واجتماع هذه الأوصاف دليل على ضعف الناقة لأنها لو كانت قوية لما احتاجت إلى ضرب رئتيها وإلى الرفق بها مع شدة شوقه إلى ديار أحبابه وذلك باعث على شدة السير قال حذاق الأدب تراكيب التورية في هذا البيت بالنسبة إلى ديباجة المتأخرين وطلاوة ألفاظهم وزخارف بيوتهم تستحق قول القائل وما مثله إلا كفارغ حمص * خلي من المعنى ولكن يفرقع لأن هذا النوع أعني التورية ما تنبه لمحاسنه إلا من تأخر من حذاق الشعراء وأعيان الكتاب ولعمري إنهم بذلوا الطاقة في حسن سلوك الأدب إلى أن دخلوا إليه من باب فإن التورية من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة وسحرها ينفث في القلوب ويفتح بها أبواب عطف ومحبة وما أبرز شمسها من غيوم النقد إلا كل ضامر مهزول ولا أحرز قصبات سبقها من المتأخرين غير الفحول ومما يؤيد قولي هذا قول الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى في ديباجة كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام ومن البديع ما هو نادر الوقوع ملحق بالمستحيل الممنوع وهو نوع التورية والاستخدام فإنه نوع تقف الأفهام حسرى دون غايته عن مرامي المرام نوع يشق على الغبي وجوده * من أي باب جاء يغدو مقفلا لا يفرغ هضبته فارع ولا يقرع بابه قارع إلا من تنحو البلاغة نحوه في الخطاب وتجري