ابن حجة الحموي

234

خزانة الأدب وغاية الأرب

الخيرية جميعها فما علمت ما مراده في النظم ولا في الشرح ولا أين استقر نفي الشيء بإيجابه والله أعلم وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا * ولا يشين العطاء بالمن والسأم الذي أقوله إن محاسن هذا البيت ببركة ممدوحه تغني عن التطويل في شرحه وسهولة مأخذ النوع منه لم تفتقر إلى زيادة إيضاح وما أحقه هنا بقول القائل وقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يعرف القمرا ( ذكر الإيغال ) للجود في السير إيغال إليه وكم * حبا الأنام بود غير منصرم هذا النوع مأخوذ من إيغال السير فإنه يقال أوغل في المسير إذا بلغ غاية قصده بسرعة ولهذا قلت للجود في السير إيغال إليه ومعنى ذلك أن المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت استخرج سجعة أو قافية يريد معنى زائدا أو كلا منهما فكأن المتكلم أو الشاعر قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد وهذا النوع مما فرعه قدامة وفسره بأن قال هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت كقول ذي الرمة قف العيس في آثار مية واسأل * رسوما كأخلاق الرداء المسلسل فتم كلامه قبل القافية فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائدا وكذلك صنع في البيت الذي بعده حيث قال أظن التي يجدي عليك سؤالها * دموعا كتبديد الجمان المفصل فإنه تم كلامه بقوله كتبديد الجمان واحتاج إلى القافية فأتى بما يفيد معنى زائدا ولو لم يأت بها لم يحصل انتهى والفرق بين الإيغال والتتميم أن التتميم يأتي إلى المحتاج فيتممه كقول الشاعر وقد تقدم أناس إذا لم يقبل الحق منهم * ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب فإن المعنى بدون قوله ويعطوه ناقص والإيغال لا يرد إلا على المعنى التام فيزيده كمالا ويفيد فيه معنى زائدا غير أن بين الإيغال والتكميل تجاذباً يكاد أن ينتظم كل منهما في سلك الآخر ولكن رأيت الناس قد سلموا إلى قدامة ما اختاره وفرعه هنا فمشيت مع الناس واستشهدوا على الإيغال بقوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فإن الكلام تم بقوله تعالى ومن أحسن من الله حكما ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا قلت ولعمري لو طلب التكميل حقه من هذا الشاهد لم يمنعه الذوق السليم ومثله قوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فإن المعنى تم بقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء ثم أراد وهو أعلم إتمام الكلام بالفاصلة فقال إذا ولوا مدبرين وقد حكي عن الأصمعي أنه سئل من أشعر الناس فقال الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرا وينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدا فقيل له نحو من فقال نحو الفاتح لأبواب المعاني وهو امرؤ القيس حيث قال كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ومثله قول زهير كأن فتات العهن في كل منزل * نزلن به حب الفنا لم يحطم فكلام امرئ القيس انتهى إلى وله الجزع وزيادة المعنى في قوله الذي لم يثقب ولا يخفى على حذاق الأدب ما فيها من المحاسن ومعنى قول زهير انتهى في كلامه إلى قوله حب الفنا وزيادة المعنى في قوله لم يحطم فيها نكتة بديعية غريبة وأنا أذكرها هنا تنبيها على ما قرره الأصمعي وما ذاك إلا أن زهيرا شبه ما تفتت من العهن بحب الفنا والفنا شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود وقال الفراء هو عنب الثعلب فلما قال زهير بعد تمام معنى بيته لم يحطم أراد أن يكون حب الفنا صحيحا لأنه إذا كسر