ابن حجة الحموي
232
خزانة الأدب وغاية الأرب
في البر ومناسبة الحجل مع الروم أنها تسكن الجبال وتنزل في المواضع المعروفة بالشجر والضرب الثاني هو أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين له فيقرن بهما ما لاقترانه مزية واستشهدوا على هذا الضرب الثاني بقول أبي الطيب المتنبي أيضا وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة * ووجهك وضاح وثغرك باسم وقالوا إن عجز كل من البيتين يلائم كلا من الصدرين وما اختار ذلك الترتيب إلا لأمرين أحدهما أن قوله كأنك في جفن الردى وهو نائم تمثيل السلامة في مقام العطب ولهذا قرر له الوقوف والبقاء في موضع يقطع على صاحبه فيه بالهلاك أنسب من جعله مقررا لثباته في حال هزيمة الأبطال والثاني أن في تأخير التتميم بقوله ووجهك وضاح وثغرك باسم عن وصف الممدوح بوقوفه ذلك الموقف وبمرور أبطاله كلمى بين يديه ما يفوت بالتقديم ولعمري إن الضرب الثاني من ائتلاف المعنى مع المعنى أبدع من الضرب الأول وأوقع في القلوب وأقرب إلى مواقع الذوق وعليه نظمت بيت بديعيتي ويأتي الكلام عليه في موضعه ولكن هنا نكتة تزيد بديع الضرب الثاني إيضاحا وترشح قصد المتنبي في ترتيبه الذي تقدم عليه الكلام حكي أن سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي قال عند إنشاده إياه هذين البيتين يا أبا الطيب قد انتقدنا عليك كما انتقد على امرئ القيس في قوله كأني لم أركب جوادا لغارة * ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل * لخيلي كري كرة بعد إجفال فقال المتنبي أيها الأمير إن صح أن البزاز أعلم بالثوب من حائكة فقد صح ما انتقد على امرئ القيس وعلي فإن امرأ القيس أحب أن يقرن الشجاعة باللذة في بيت واحد وهو الأول وقد وقع مثل هذا في الكتاب العزيز وهو قوله تعالى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فإنه تعالى لم يراع فيه مناسبة الري بالشبع والاستظلال باللبس في تحصيل نوع المنفعة بل راعى مناسبة اللبس للشبع في حاجة الإنسان إليه وعدم استغنائه عنه ومناسبة الاستظلال للري في كونهما تابعين اللبس والشبع قلت وأما جواب المتنبي عن قول امرئ القيس كأني لم أركب جوادا لغارة * ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال فهو الافتنان بعينه وهو نوع من أنواع البديع العالية وقد تقدم وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع قوله من مفرد بغرار السيف منتثر * ومروج بسنان الرمح منتظم قد كثر تكرار القول بأن المراد من بيت البديعية أن يكون شاهدا على نوعه وإن لم يكن صالحا للتجريد لم يصح الاستشهاد به على ذلك النوع وبيت الشيخ صفي الدين الحلي هنا غير صالح للتجريد وعدم صلاحه للتجريد هو الذي عقده وحجب إيضاح معناه عن مواقع الذوق والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي ذو معنيين بصحب والعدا ائتلفا * للخلف ما أشهب البازي كالرخم قلت إن هذين المعنيين لشدة العقادة أتعبت الفكر فيهما على أن يتضح لي منهما معنى فعجزت عن ذلك والله أعلم وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي سهل شديد له بالمعنيين بدا * تألف في العطا والدين للعظم وقد تقدم قولي إن بيت بديعيتي منظوم في سلك الضرب الثاني لكونه أبدع وأوقع في الذوق من الضرب الأول وهو أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين فيقرن بهما ما يلائم ويظهر باقترانه مزية فسهولة النبي قرنتها بالعطاء وناهيك بهذه الملاءمة صلى الله عليه وسلم