ابن حجة الحموي
225
خزانة الأدب وغاية الأرب
بشرت باللقاء وهي غراب * ونفى الفجر حسنها وهي قمري ومن النوادر اللطيفة في هذا الباب قول علاء الدين الجويني صاحب الديوان ببغداد من دو بيت مذ صار مبيتنا بضوء القمر * والحب نديمنا وصوت الوتر نادى بفراقنا نسيم سحرا * ما أبرد ما جاءت نسيم السحر ومن نادر ما اتفق لي قولي من قصيدة رائية ومذ سرت نسمات الثغر باردة * بدا بأعضاء ذاك الجفن تكسير قد تقدم تقرير حد ابن أبي الأصبع في نوع النوادر وتكرر وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور كثير الاستعمال فيغرب فيه بزيادة نكتة لم تقع لغيره ليصير المعنى المستعمل بها غريبا وقد فهم ما أوردته هنا من تلاعب الشعراء بالنسيم وما أظهروا فيه من النوادر التي تركت رخيصه غاليا وتكسير الجفن أيضا ونسبة التكسير إليه أكثر أهل الأدب استعماله في تغزلهم ونسيبهم ولكن استعارة النسمات الباردة للثغر وهبوبها على أعضاء ذاك الجفن السقيم حتى ظهر فيه التكسير نادرة النوادر في هذا النوع والله أعلم ( ذكر المبالغة ) بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى * والشهب قد رمدت من عثير الدهم المبالغة نوع معدود من محاسن هذا الفن عند الجمهور واستدلوا على ذلك بقول من قال أحسن الشعر أكذبه وبقول النابغة الذيباني أشعر الناس من استجيد كذبه وضحك من رديئه واستدلوا أيضا برد النابغة المذكور على مثل حسان بن ثابت في قوله لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما والرد الذي رده النابغة على هذا البيت في ثلاثة مواضع الأول منها أنه قال له قلت لنا الجفنات والجفنات تدل على قليل فلا فخر لك ولا مبالغة إذا كان في ساحتك ثلاث جفان أو أربع والثاني أنك قلت يلمعن واللمعة بياض قليل ليس فيه كبير شان والثالث أنك قلت في السيوف يقطرن والقطرة تكون للقليل فلا تدل على فرط نجدة ولا مبالغة وترشيح جانب المبالغة مذهب ابن رشيق في العمدة ومنهم من لم يعد المبالغة من حسنات الكلام ومشى في ذلك على مذهب حسان بن ثابت رضي الله عنه فإنه قال وإنما الشعر عقل المرء يعرضه * على الأنام فإن كيسا وإن حمقا وإن أشعر بيت أنت قائله * بيت يقال إذا أنشدته صدقا وعند أهل هذا المذهب أن المبالغة لم تسفر عن غير التهويل على السامع ولم يفر الناظم إلى التخييم عليها إلا لعجزه وقصور همته عن اختراع المعاني المبتكرة لأنها في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر إذا أعياه إيراد المعاني الغريبة فيشغل الأسماع بما هو محال وتهويل وقالوا ربما أنها أحالت المعاني فأخرجتها عن حد الكلام الممكن إلى حد الامتناع والمبالغة تعاب في بابها إذا خرجت عن حد الإمكان إلى الاستحالة ويأتي الكلام على حدها في موضعه والذي أقوله إن المبالغة من محاسن أنواع البديع ولم يستطرد في حلبات سبقها إلا فحول هذه الصناعة ولولا سمو رتبتها ما وردت في القرآن العظيم والسنة النبوية ولو سلمنا إلى من يهضم جانبها ولم يعدها من حسنات الكلام بطلت بلاغة الاستعارة وانحطت رتبة التشبيه وتسمية المبالغة منسوبة إلى قدامة ومنهم من سمى هذا النوع التبليغ وسماه ابن المعتز الإفراط في الصفة وهذه التسمية طابقت المسمى ولكن أكثر الناس رغبوا في تسمية قدامة لخفتها وهذا النوع أعني المبالغة شركه قوم مع الإغراق والغلو لعدم معرفة الفرق وهو مثل الصبح ظاهر والمبالغة في الاصطلاح هي إفراط وصف الشيء بالممكن القريب