ابن حجة الحموي
223
خزانة الأدب وغاية الأرب
وهذه القصيدة من غرر قصائدي بل من غرر القصائد منها مزاج خمرة فيه جاء معتدلا * فراح منه مزاج الراح منحرفا ومذ غدا جسمه ماء برقته * علمت والله أن القلب منه صفا منه الغزالة غارت عينها حسدا * والبدر قد لازم التسهيد والكلفا والظبي قال أنا أحكي لواحظه * فصح عندي أن الظبي قد خرفا ومنها مذ صار لي قبلة محراب حاجبه * صيرت عابد طرفي فيه معتكفا ولام فيه عذول قلت من كلفي * قلبي رأى منه قدا في الهوى ألفا ما ضره لو عفا عني وأظهر لي * عطفا وعاين ربع الصبر كيف عفا أراد مني وكف الدمع قلت له * حسيبك الله يا بدر الدجى وكفى لم أستطرد إلى ذكر هذه الأبيات هنا إلا لأن نوع التفصيل لم يحتمل إطلاق عنان القلم في الكلام عليه إلى أكثر من ذلك ( ذكر النوادر ) نوادر المدح في أوصافه نشقت * منها الصبا فأتتنا وهي في شمم هذا النوع أعني النوادر سماه قوم الإغراب والطرفة وهو أن يأتي الشاعر بمعنى يستغرب لقلة استعماله لا لأنه لم يسمع بمثله وهذا مما اختاره قدامة دون غيره ولكن غالب علماء البديع اختاروا غير رأي قدامة في هذا النوع فإنهم قالوا لا يكون المعنى غريبا إلا إذا لم يسمع بمثله وأورد زكي الدين ابن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لنوع النوادر حدا أقرب إليه من اختيار قدامة وأبلغ وأوقع في النفوس وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره ليصير بها ذلك المعنى المشهور غريبا وينفرد به دون كل من نطق به وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر مبذول معروف قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله وكان سابق المتقدمين وقبلة المتأخرين القاضي الفاضل أنفت نفسه من المثابرة على هذا الابتذال وكثرة تشبيه الحسان بالبدور فقال تراءى ومرآة السماء صقيلة * فأثر فيها وجهه صورة البدر سبحان المانح حاصل كلامه تشبيه محسوبه بالبدر ولكن زيادة هذه النادرة اللطيفة لا تخفى إلا على أكمه لا يعرف القمر وعلى هذا المنوال نسجت بيت بديعيتي ويعجبني في باب النوادر قول القائل عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا * وتقوضت خيم الشباب فقوضوا ولقد سمعت وما سمعت بمثله * بين غراب البين فيه أبيض وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه عن النبي كأنما قلب معن ملء فيه فلم * يقل لسائله يوما سوى نعم هذا البيت ذكر الشيخ صفي الدين في شرحه أن النادرة فيه قلب معن بنعم قلت قلب معن بنعم لم يعد من نوع النوادر بل من أنواع الجناس المسمى بالقلب والعكس وجناس القلب وغيره من أنواع الجناس ليس فيه غير خدمة الألفاظ فإنه نوع لفظي والذي قرره قدامة وغيره في هذا النوع أن الغرابة تكون في المعنى بحيث يعد ذلك المعنى من النوادر والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته هو نوادر من جناني كالجنان زهت * أم هل بدت واضحات الحسن من إرم قلت إن بيت الشيخ صفي الدين الحلي مع ما فيه من النقد والمؤاخذة معدود من النوادر بالنسبة إلى هذا البيت وما أشبهه بالبيت الذي أخبر عنه الحريري في مقاماته وقال إنه أخرج