ابن حجة الحموي

189

خزانة الأدب وغاية الأرب

فلما انتهيت في نظم بديعيتي إلى هذا النوع أعني التلميح رأيت النبي أحق به وأنا أحق به من أبي تمام فإني نظمته في سلك المعجزات النبوية فهامت عيون الأذواق إلى بهجة تلميحه وقد تقدم قولي في بيت التشبيه عن النبي والبدر في التم كالعرجون صار له * فقل لهم يتركوا تشبيه بدرهم ثم قلت بعده في التلميح ورد شمس الضحى للقوم خاضعة * وما ليوشع تلميح بركبهم أنظر أيها المتأمل إلى انسجام هذا البيت مع الذي قبله وإلى ظهور النقص في بيت أبي تمام بانتقال نور التلميح إلى شرف هذا البيت النبوي والله أعلم ذكر تشبيه شيئين بشيئين شيئان قد أشبها شيئين فيه لنا * تبسم وعطا كالبرق في الديم هذا النوع أعني تشبيه شيئين بشيئين من المحاسن العزيزة الوقوع بخلاف كبيرة العدد في التشبيه فإن ذلك نوع اللف والنشر أحق به وهو في الاصطلاح أن يقابل الشاعر بين الأربعة ويلتزم أن كل واحد من المشبه يسد مسد المشبه به ومما حكي عن بشار بن برد أنه قال ما زلت منذ سمعت قول امرئ القيس في وصف العقاب كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي لا يأخذني الهجوع حسدا له إلى أن قلت في وصف الحرب كأن مثار النقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه ومما يعجبني في هذا الباب إلى الغاية قول إبراهيم بن سهل الإشبيلي كأن القلب والسلوان ذهن * يحوم عليه معنى مستحيل ومن الغايات التي لا تدرك في هذا الباب وأنا أستغفر الله قولي من قصيدة وحمرة الخد أبدت خيط عارضه * فخلت كأس مدام وهو مشعور وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته تلاعبوا تحت ظل السمر من مرح * كما تلاعبت الأشبال في الأجم بيت الشيخ صفي الدين في هذا النوع عامر بالمحاسن رافل في حلل الانسجام والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله شيئان تشبيه شيئين انتبه لهما * حلم وجهل هما كالبرء والسقم نعوذ بالله من آفة الغفلة ممدوح هذا البيت هو النبي وقد تقدمه قوله في مديحه هل من مقاربة في السير بعد نوى * بأطيب التمر بين العرب والعجم