ابن حجة الحموي

182

خزانة الأدب وغاية الأرب

القاضوي الناصري البارزي صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية عظم الله تعالى شأنه في هجو من لا يمكن ذكره هنا من قصيدة وقد علت أسنانه صفرة * تكدر العيش المريء المريع ولحمها من ورم فاسد * كالرئة المحبوس فيها نجيع هذا التشبيه لم أجد له شبيها في هذا الباب إلا تشبيه ابن الرومي في هجو الورد وقد تقدم ذكره فلو جمع المتأمل بين المشبه المهجو وبين المشبه به وشاهد هذا التخييل الغريب عيانا صدق صحة دعواي في ذلك ومن التشابيه التي هي غير بليغة قول ابن وزير في تشبيه الماء على الرخام لله يوم بحمام نعمت به * والماء من حوضه ما بيننا جاري كأنه فوق شقات الرخام ضحى * ماء يسيل على أثواب قصار وتلطف ابن الدوري في هجاء هذا الشاعر حيث قال وشاعر أوقد الطبع الذكاء له * فكاد يحرقه من فرط إذكاء أقام يجهد أياما قريحته * وشبه الماء بعد الجهد بالماء ذكرت هنا من التشابيه التي هي غير بليغة قول الشيخ صلاح الدين الصفدي في تشبيه القمر في خلال الأغصان لما انثنت كأنما الأغصان لما انثنت * أمام بدر التم في غيهبه بنت مليك خلف شباكها * تفرجت منه على موكبه وقد أورد عليه علامة عصرنا القاضي بدر الدين الدماميني فسح الله تعالى في أجله في كتابه المسمى بنزول الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم نقدا كشف به القناع عن عدم بلاغة هذا التشبيه فإن الشيخ بدر الدين المشار إليه قال وقوله صحيح إن ظاهر عبارة الشيخ صلاح الدين تشبيه الأغصان في حالة انثنائها أمام البدر في الدجى ببنت مليك تطل من شباكها للنظر في موكب أبيها وذلك عن مظان التشبيه بمعزل ومقصوده أن البدر في حالة ظهوره من خلال الأغصان المتثنية على الصفة المذكورة يشبه بنت مليك على تلك الحالة تمثيلا للهيئة الاجتماعية لكن اللفظ لا يساعده على ذلك المطلوب فإنه جعل الأغصان مبتدأ وأخبر عنه بقوله بنت مليك فلم يتم له المراد على أن مقطوع الشيخ صلاح الدين مع ما فيه من عدم بلاغة التشبيه مأخوذ من قول محيي الدين بن قرناص الحموي وحديقة غناء ينتظم الندى * بفروعها كالدر في الأسلاك والبدر يشرق من خلال غصونها * مثل المليح يطل من شباك قلت ليس لأهل النقد مدخل في هذا الشباك انتهى ما أوردته هنا من التشبيه الذي هو غير بليغ في باب المحسوس بالمحسوس وقد تقدم القول على موجب تقديمه في باب التشبيه وتقرر أن مدركات السمع والبصر والذوق والشم واللمس التي هي الحواس الخمس أوضح في الجملة مما لا تقع عليه الحواس انتهى القسم الثاني وهو تشبيه المعقول بالمعقول أقول إن هذا النوع في هذا الباب ليس له مواقع المحسوسات وقد تكرر قولي في ذلك وأحسن ما وجدت فيه أعني تشبيه المعقول بالمعقول قول أبي الطيب المتنبي كأن الهم مشغوف بقلبي * فساعة هجرها يجد الوصالا وظريف هنا قول القائل من أبيات مع بديع الاستطراد لفظ طويل تحت معنى قاصر * كالعقل في عبد اللطيف الناظر القسم الثالث تشبيه المعقول بالمحسوس وهو إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة كقوله تعالى والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا