ابن حجة الحموي

162

خزانة الأدب وغاية الأرب

ذكر العكس عين الكمال كمال العين رؤيته * يا عكس طرف من الكفار عنه عمي العكس في اللغة رد آخر الشيء على أوله ويقال له التبديل وفي الاصطلاح تقديم لفظ من الكلام ثم تأخيره ويقع على وجوه كثيرة ولكن المراد هنا ما استعمل منها وكثر استعماله فالمقدم في هذا الباب قوله تعالى تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي العكس هنا مميز بعلو طباقه وبشرف القدرة الإلهية التي لا تصدر إلا عن عظمة الخالق جلت قدرته وبلاغة القرآن وإيجازه وفصاحته وعلى كل تقدير فالعكس نوع رخيص بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع الغالية وإن لم يصوب البليغ عكسه بنكتة بديعية تنظمه في سلك أنواع البديع فهو مستمر على عكسه كقول القائل زعموا أني خؤون في الهوى * في الهوى أني خؤون زعموا هذا البيت ليس فيه نكتة تزيل عنه العكس وتحليه بشعار البديع ولو أراد الشاعر أن يرتجل مثله ما شاء في مجلس واحد لكان ذلك قدرا يسيرا وأين هذا الناظم من أبي تمام وقد قال له بعض حساده لم لا تقول ما يفهم فقال له على الفور لم لا تفهم ما يقال وأين هو من قول الحكيم الذي قيل له لم تمنع من يسألك فقال لئلا أسأل من يمنعني وأين هو من كلام الحكيم الذي قال إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون وقيل إنه ورد في الحديث جار الدار أحق بدار الجار وما أبلغ قول الحسن بن سهل هنا وقد قيل له لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير ويروى لأمير المؤمنين هارون الرشيد من النظم في هذا الباب لساني كتوم لأسرارهم * ودمعي بسري نموم مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى * ولولا الهوى لم يكن لي دموع وبديع هنا قول الصاحب ابن عباد وقد بالغ في وصف الزجاج والشراب وهو رق الزجاج وراقت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر ومثله ألست ترى أطباق ورد وحولها * من النرجس الغض الطري قدود فتلك خدود ما عليهن أعين * وتلك عيون ما لهن خدود ويعجبني إلى الغاية في هذا الباب قول الأضبط الشاعر قد يجمع المال غير آكله * ويأكل المال غير من جمعه ويقطع الثوب غير لابسه * ويلبس الثوب غير من قطعه ومثله في الحكمة قول ابن نباتة السعدي ألا فاخش ما يرجى وجدك هابط * ولا ترج ما يخشى وجدك رافع فلا نافع إلا مع النحس ضائر * ولا ضائر إلا مع السعد نافع ومن حكم أبي الطيب المتنبي قوله في هذا الباب فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله * ولا مال في الدنيا لمن قل مجده ومثله في الحسن والبلاغة قوله إن الليالي للأنام مناهل * تطوى وتنشر دونها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة * وطوالهن مع السرور قصار واستشهدوا على نوع الطباق بقول الشاعر رمى الحدثان نسوة آل حرب * بمقدار سمدن له سمودا