ابن حجة الحموي
131
خزانة الأدب وغاية الأرب
بيت صفي الدين هنا شاهد على الاكتفاء بجميع الكلمة ولكن لم ترض التورية أن تكون له سكنا لشدة برده وعجبت للشيخ صفي الدين كيف استحسن هذا البيت ونظمه في سلك أبيات بديعيته مع ما فيه من الركة والنظم السافل وقرر موضع الاكتفاء بلفظة لم هذا مع أنه غير مكلف بتسمية النوع ولا ملتفت إلى تورية والعميان لم ينظموا هذا النوع وبيت الشيخ عز الدين شاهد على النوعين مع التزامه بالتورية في تسمية النوع البديعي واستجلاب الرقة ولطف المعنى وهو وما اكتفى الحب كسف الشمس منه إذا * حتى انثنى يخجل الأغصان حين تمي فشاهد الكل قوله إذا المعروف أن بعده بدا لما تقدم من ذكر كسف الشمس وشاهد البعض قوله حين تمي فدل حرف الكلمة أنها تميل أو تميس وبيت بديعيتي شاهد على الاكتفاء بالبعض بزيادة التورية التي تتوارى من حسنها بهجة الشموس مع سلامة الوزن في طرق الاكتفاء على مذهب الجماعة كما تقدم وأما التورية بتسمية النوع فهي محصول الحاصل إذ لا بد منها وبيتي لما اكتفى خده القاني بحمرته * قال العواذل بغضا إنه لدمي المعنى هنا أن الخد لما تزايدت حمرته قال العواذل بغضا في الظاهر إنه لدمي ووروا بالاكتفاء وقصدوا في الباطن أنه دميم حسداً له وهذا الاكتفاء ينظر إلى قول القائل كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغضا إنه لدميم وهو بالدال المهملة للحقارة ومن تأمل هذا البيت تأمل أهل الأدب المنصفين علم أن الحيلة في تركيب توريته حيلة دقيقة مع ما فيه من المعنى وجزالة الأسلوب وهذا النوع على هذا النمط الغريب لا يجري في مضماره من فحول الأدب إلا كل ضامر مهزول ذكر مراعاة النظير ذكرت نظم اللآلي والحباب له * راعى النظير بثغر منه منتظم هذا النوع أعني مراعاة النظير يسمى التناسب والائتلاف والتوفيق والمؤاخاة وهو في الاصطلاح أن يجمع الناظم أو الناثر أمرا وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضاد لتخرج المطابقة وسواء كانت المناسبة لفظا لمعنى أو لفظا للفظ أو معنى لمعنى إذ القصد جمع شيء إلى ما يناسبه من نوعه أو ما يلائمه من أحد الوجوه كقول البحتري في إبل أنحلها السير كالقسي المعطفات بل الأسهم * مبرية بل الأوتار فإنه لما شبه الإبل بالقسي وأراد أن يكرر التشبيه كان يمكنه أن يشبهها بالعراجين أو بنون الخط لأن المعنى واحد في الانحناء والرقة ولكنه قصد المناسبة بين الأسهم والأوتار لما تقدم ذكر القسي ولعمري لقد أصاب الغرض في هذا المرمى وظريف هنا قول بعضهم في وصف فرس من جلنار ناضر خده * وأذنه من ورق الآس فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة ومثله قول بعضهم في آل النبي أنتم بنو طه ونون والضحى * وبنو تبارك في الكتاب المحكم وبنو الأباطح والمشاعر والصفا * والركن والبيت العتيق وزمزم هذا الناظم أحسن في مراعاة النظير وأتى في البيت الأول بحسن المناسبة بين أسماء السور وفي الثاني بحسن المناسبة بين الجهات الحجازية انتهى ويعجبني قول السلامي في هذا الباب والنقع ثوب بالسيوف مطرز * والأرض فرش بالجياد محمل وسطور خيلك إنما ألفاتها * سمر تنقط بالدماء وتشكل فإنه ناسب بين الثوب والتطريز وبين الفرش والحمل وبين السطور والألفات والنقط والشكل ومثله قول أبي العلاء المعري