ابن حجة الحموي

123

خزانة الأدب وغاية الأرب

بيمينك يا موسى فإن السؤال هنا ما وقع لأجل المبالغة في التشبيه المشار إليه في تجاهل العارف بل هو لفائدة أخرى أما الإيناس لموسى عليه السلام لأن المقام مقام هيبة واحترام وإما إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه ومنه قوله لعيسى عليه السلام أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فإن السؤال هنا لم يكن للتشبيه وإنما هو توبيخ لمن ادعى فيه ذلك ومن الناس من جعل تجاهل العارف مطلقا سواء كان على طريق التشبيه أو على غيره إذا تقرر هذا فاعلم أن تجاهل العارف من حيث هو إنما يأتي لنكتة من نحو مبالغة في مدح أو ذم أو تعظيم أو تحقير أو توبيخ أو تقرير أو من تدله في الحب وأنا أذكر أمثلة الجميع هنا فمنه للمبالغة في الغزل قول الشاعر أجفون كحيلة أم صفاح * وقدود مهزوزة أم رماح ومنه للمبالغة في الشوق وطول الليل وشوق ما أقاسي أم حريق * وليل ما أكابد أم زمان وللمبالغة في النحول وقفت وقد فقدت الصبر حتى * تبين موقفي أني الفقيد وشكك في عذالي فقالوا * لرسم الدار أيكما العميد ومنه للمبالغة في الغزل في الخيف من ظبيانه سمراء * أقوامها أم صعدة سمراء ومثله أثغرك يا هند أبدى ابتساما * أم البرق سل عليه حساما ومثله قول شرف الدين راجح الحلي من أطلع البدر في ديجور طرته * وأودع السحر في تكسير مقلته ومن أدار يواقيت الشفاه على * كأس من الدر يحمي خمر ريقته ويعجبني من هذا القصيد قوله وإن كان من غير ما نحن فيه يحنو النسيم عليه من لطافته * والدهر ألين منه عند قسوته ومثله في اللفظ والمعنى قول ابن نباتة في مرشفيه سلاف الراح من عصره * ومعطفيه قوام البان من هصره وفي ابتسام ثناياه ومنطقه * من نظم الدر أسلاكا ومن نثره ومن تجاهل العارف للمبالغة في تعظيم الممدوح قول ابن هانئ المغربي أبني العوالي السمهرية والمواضي * المشرفية والعديد الأكبر من منكم الملك المطاع كأنه * تحت السوابغ تبع في حمير قيل إنه لما تجاهل في هذا البيت عن معرفة الممدوح ترجل الجيش بكماله تعظيما للممدوح إذ هو ملكهم وهذه القصيدة سارت بها الركبان والحداة تشدو ببلاغتها وهي أحب من قفا نبك في الشهرة لفصاحتها ومطلعها فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر * وأمدكم فلق الصباح المسفر وما أحلى ما قال بعده وجنيتم ثمر الوقائع يانعا * بالنصر من ورق الحديد الأخضر أقول إن هذه الاستعارات المرشحة يرشح ندى البلاغة من بين أوراقها وتتعثر فحول الشعراء في حلبة سباقها ومنها في فتية صدأ الدروع عبيرهم * وخلوقهم علق النجيع الأحمر لا يأكل السرحان شلو طعينم * مما عليه من القنا المتكسر قوم يبيت على الحشايا غيرهم * ومبيتهم فوق الجياد الضمر وتظل تسبح في الدماء قبابهم * فكأنهن سفائن في أبحر حي من الأعراب إلا أنهم * يردون ماء الأمن غير مكدر