ابن حجة الحموي

105

خزانة الأدب وغاية الأرب

فإنما هو عصمتها وثمالها وإن اجتمعت رعايا الصنائع فإنما هو إمامها المتلفع بسواده وإن زخرت بحار الأفكار فإنما هو المستخرج دررها من ظلمات مداده وإن وعد أوفى بجنب النفع وإن أوعد أخاف كأنما يستمد من النقع هذا وهو لسان الملوك المخاطب ورسيلها لأبكار الفتوح والخاطب والمنفق في تعمير دولها ومحصول أنفاسه والمتحمل أمورها الشاقة على عينه ورأسه والمتيقظ لجهاد أعدائها والسيف في جفنه نائم والمجهز لبأسها وكرمها جيشي الحروب والمكارم والجاري بما أمر الله من العد والإحسان والمسود الناصر فكأنما هو لعين الدهر إنسان طالما ذب عن حرمها فشد الله أزره ورفع ذكره وقام في المحامات عن دينها أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره وقاتل على البعد والصوارم في القرب وأوتي من معجزات النبوة نوعا من النصر بالرعب وبعث جحافل السطور فالقسي دالات والرماح ألفات واللامات لامات والهمزات كواسر الطير التي تتبع الجحافل والأتربة عجاجها المحمر من دم الكلى والمفاصل فهو صاحب فضيلتي العلم والعلم وساحب ذيلي الفخار في الحرب والسلم لا يعاديه إلا من سفه نفسه ولبس لبسه وطبع على قلبه وفل الجدال من غربه وخرج في وزن المعارضة عن ضربه وكيف يعادى من إذا كرع في نقسه قيل إنا أعطيناك الكوثر وإذا ذكر شانئه السيف قيل إن شانئك هو الأبتر أقول قولي هذا وأستغفر الله من الشرف وخيلائه والفخار وكبريائه وأتوكل على الله فيما حكم وأسأله التدبير فيما جرى به من القلم ثم أكتفي بما ذكره من أدواته وجلس على كرسي دواته متمثلا بقول القائل قلم يفل الجيش وهو عرمرم * والبيض ما سلت من الأغماد وهبت له الآجام حين نشابها * كرم السيول وصولة الآساد فعند ذلك نهض السيف قائما عجلا وتلمظ لسانه للقول مرتجلا وقال بسم الله الرحمن الرحيم وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف وشيد مراتب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعقد مرصوف وأجناهم من ورق حديدها الأخضر ثمار نعيمها الدانية القطوف وهازم الألوف وعلى آله وصحبه الذين طالما محوا بريق بريق الصوارم سطور الصفوف صلاة عاطرة في الأنوف حالية بها الأسماع كالشنوف وسلم أما بعد فإن السيف زند الحق الوري وزنده القوي وحده الفارق بين الرشيد والغوي والنجم الهادي إلى العز وسبيله والثغر الباسم عن تباشير فلوله به أظهر الله الإسلام وقد جنح خفاء وجلى شخص الدين الحنيفي وقد جمح جفاء وأجرى سيوفه بالأباطح فأما الحق فمكث والباطل فذهب جفاء وحملته اليد الشريفة النبوية وخصته على الأقلام بهذه المزية وأوضحت به للحق منهاجا وأطلعته في ليالي النقع والشك سراجا وهاجا وفتحت باب الدين بمصباحه حتى دخل فيه الناس أفواجا فهو ذو الرأي الصائب وشهاب العزم الثاقب وسماء العز التي زينت من آثاره بزينة الكواكب والحد الذي كأنه ماء دافق يخرج عند قطع الأجساد من بين الصلب والترائب لا تجحد آثاره ولا ينكر قراره إذا أشتبت في الدجى والنقع ناره يجمع بين الحالتين البأس والكرم ويصاغ في طوق الحليتين فهو إما طوق في نحور الأعداء وإما خلخال في عراقيب أهل النقم ويحسم به أهواء الفتن المضلة ويحذف بهمته الجازمة حروف العلة وإذا انحنى في سماء القتام بالضرب فقل يسألونك عن الأهلة فهو القوي الاستطاعة الطويل المعمر إذا قصف سواه في ساعة فما أولاه بطول الإحسان وما أجمل ذكره في أخبار المعمرين ومقاتل الفرسان كأن الغيث في غمده للطالب المنتجع وكأنه زناد يستضاء به إلا أن دفع الدماء شرره الملتمع كم قد مد فأدرك الطلاب ودعا النصر بلسانه المحمر من أثر الدماء فأجاب وتشعبت الدول لقائم نصره