قطب الدين الراوندي
266
الخرائج والجرائح
البراري ، فانتهيت إلى واد قفر ، وجنني الليل ، فآويت إلى شجرة ، فلما اختلط الظلام إذا أنا بشاب عليه أطمار ( 1 ) بيض ، قلت : هذا ولي من أولياء الله متى ما أحس بحركتي خشيت نفاره ، فأخفيت نفسي فدنا إلى موضع ، فتهيأ للصلاة ، وقد نبع له ماء ، ثم وثب قائما يقول : " يا من حاز كل شئ ملكوتا ، وقهر كل شئ جبروتا ، صل على محمد وآل محمد ، وأولج قلبي فرح الاقبال إليك ( 2 ) وألحقني بميدان المطيعين لك " . ودخل في الصلاة ، فتهيأت أيضا للصلاة ، ثم قمت خلفه ، وإذا بمحراب مثل في ذلك الوقت قدامه ، وكلما مر بآية منها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين فلما تقشع الظلام قام ، فقال : " يا من قصده الضالون فأصابوه مرشدا ، وأمه الخائفون فوجدوه معقلا ، ولجأ إليه العائدون فوجدوه موئلا ( 3 ) . متى راحة من نصب لغيرك بدنه ؟ ! ومتى فرح من قصد سواك بهمته ( 4 ) ؟ ! إلهي قد انقشع الظلام ولم أقض من خدمتك وطرا ، ولا من حياض مناجاتك صدرا صل على محمد وآل محمد ، وافعل بي أولى الامرين بك " . [ ونهض ] فعلقت به ، فقال : لو صدق توكلك ما كنت ضالا ، ولكن اتبعني واقف أثري . وأخذ بيدي ، فخيل إلي أن الأرض تميد ( 5 ) من تحت قدمي . فلما انفجر عمود الصبح قال : هذه مكة .
--> ( 1 ) الطمر - بالكسر - : الثوب الخلق ، والجمع " أطمار " ( 2 ) " عليك " ط ، ه . ( 3 ) المآل : الملجأ . وفي ط ، ه : " العائذون فوجدوه مؤملا " وفي فتح الأبواب : " العابدون فوجدوه نوالا " . ( 4 ) " لغيرك همته " ط ، ه . ( 5 ) أي تحركت ، واضطربت ، ودارت ، واهتزت .