الحاج حسين الشاكري
464
علي في الكتاب والسنة والأدب
معانيه . وما تكشف للإمام من كنوز " الإلهيات " لم ينبثق له عفوا ، بل كان النتيجة اللازمة لتبصره في خلق الله ، وتدارسه آيات كتابه ، وتفهمه حكمه وأحكامه بروح شفيف ونفس وضاءة وذهن محيط ، فلا مشاحة في نقاء الجوهر ، ورهافة الحس ، وحدة الذكاء ، ودقة النظر ، وعمق الوعي لديه وكلها الأدوات القادرة على الدراسة والبحث والاستقصاء ، والضامنة لاستقامة التفكير وسلامة الاستقراء . ولا مشاحة أيضا في أنه كان مهيأ لهذا الذي قدر له وأداه بحكم ملازمته - منذ طفولته - رسول الله ، ومعايشته مقدمات الرسالة ، قبل تنزل الوحي ، والنبي عندئذ يخلو إلى نفسه ، يتحنث ويتعبد بالغار وبداره ، متأملا ما يرى من جلائل الآيات الكونية ، وحركة الزمن ، وقوانين العدم والوجود ، وما إليها من ظواهر وخوارق ، تشهد بقدرة قاهرة أزلية ليست ككل القدرات ، قدرة تحكم التقدير والتدبير ، وتكون لمن يتفكر فيها ابتغاء الاهتداء أقرب إلى الاستجلاء . عايش على هذه الفترة من نشدان الحقيقة الواحدة ، فإذا هو يعجب لمحمد ، ثم يعجب به . ثم يتابعه على نفس نهجه متابعة تلميذ لأستاذه ، ومستهد لهاديه ، حتى ليدرك ، في سنه الغضة ، عن الموجد المدبر ، ما لم يدرك غيره من الناس أجمعين . وحتى لنسمعه يتحدث بما هداه إليه حسه المرهف ، وروحه الشفيف فيقول : " كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا " ويقول : " لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين " وتلك هي المدة التي قضاها منذ كفله محمد حتى نزلت الرسالة ، وأذن للنبي في الإنذار والتبليغ . لهذا لا ندهش إذ يصفه أبو الحسن البصري ، فيقول : " كان رباني هذه الأمة "