الحاج حسين الشاكري
457
علي في الكتاب والسنة والأدب
وهل النافلة سوى شكر واستغفار ؟ ولم يعرف امرؤ أزهد منه زهادة ، ولا أقنع قناعة . . فهو سيد الزهاد ، وأقنع القانعين . يتحرى في معيشته الأشظف والأقشف . . ما ارتدى في حياته لباسا جديدا ، ولا اقتنى ضيعة ولا ريعا ، إلا شيئا كان له بينبع مما تصق به وحبسه ، بل كان يلبس من الثياب الأغلظ المرقوع وينتعل نعلين من ليف . وما شبع قط من طعام ، فأكله أخشن مأكل ، فإذا ائتدم فبملح أو خل ، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض . فإن ارتفع فبقليل من لبن الإبل . . أما اللحم فنادرا ما كان يذوقه . وكان يقول - وقوله يصدق فعله - وإن لم تخل عبارته من دعابة ساخرة تخز الذين يستكثرون من هذا الصنف من الأطعمة ، أو يعلون عليه كمأكل أثير : " لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان " . ولم يكن أيضا كالألى يدلون بما يفعلون إظهارا لقدرتهم على التحكم في النفس ، وأخذها بما يحبون أن يشيع ذكره عنهم ولعا بالذكر أو رثاء الناس ، بل كان يرى - كنص ألفاظه - أن " أفضل الزهد إخفاء الزهد " . وكانت رياضته نفسه بهذا التقشف الشديد عن إيمان واقتناع . كانت حليفة كل سني عمره الجافة واليانعة على السواء ، وليست قرينة مرحلة بذاتها من مراحل حياته قل فيها النشب ونضب المال ، بل إنا لنجده أحرص على التزام هذه الرياضة عندما تملكت يمينه سلطة الدولة ، وغدا مقدوره ، ومن حقه ، أن يتحول إلى معيشة لا توصف بأنها أرفه وإنما بأنها ليست أشظف ، ولا أدل على هذه من صور السلوك الذي يطالعنا به بعد أن آلت إليه إمرة المؤمنين وأصبح صاحب الرأي