الحاج حسين الشاكري

432

علي في الكتاب والسنة والأدب

ضرار قال ضرار بن ضمرة الكناني لما طلب منه معاوية أن يصف له عليا : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل ووحشته ، وكان غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، وينبئنا إذا استنبئناه ، ونحن والله مع تقريبه إيانا ، وقربه منا ، لا نكاد نكلمه هيبة له ، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويقرب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا ، يا ربنا ، يا ربنا ، يتضرع إليه ، ثم يقول : يا دنيا غري غيري ، إلي تعرضت ، أم إلي تشوقت هيهات هيهات ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك كبير ، وعيشك حقير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ، ووحشة الطريق . فبكى معاوية ووكفت دموعه على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، وقال : رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح ولدها بحجرها ، فهي لا ترقأ عبرتها ، ولا يسكن