الشيخ الطوسي

515

الخلاف

وهذا التأويل مروي عن عمر ، وابن مسعود ، فكان تقدير الآية لا يقرب المسجد سكران ولا جنب إلا عابري سبيل ( 1 ) ، فدل على جواز عبور الجنب فيه . فإن قالوا : معنى الآية غير هذا وهو أن قوله تعالى : " لا تقربوا الصلاة " حقيقة هذه الصلاة ، فنحملها على حقيقتها ، ولا يقربها سكران ولا جنب إلا عابري سبيل ، وهو إذا كان مسافرا عابر سبيل ، فإن له أن يتيمم وهو جنب ويصلي . فتساوينا في الآية ، لأنكم حملتم آخرها على الحقيقة وأولها على المجاز ، ونحن حملنا أولها على الحقيقة وأضمرنا في آخرها ، ومن أضمر في الخطاب كمن ترك حقيقة إلى المجاز . قالوا : وهذا تأويل ابن عباس وعلي عليه السلام ( 2 ) . قيل : إذا اختلفت الصحابة في تأويل آية وجب أو يرجح قول بعضهم وتأويلنا أولى من وجوه : أولها : إن جواز التيمم للجنب المسافر مستفاد من آخر الآية وهو قوله تعالى : " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " ( 3 ) وإذا كان هذا الحكم مستفادا من آخرها فكيف يحمل أولها عليه لأنه لا فائدة له ، فكان حمل الخطاب على فائدة أولى من حمله على التكرار . والثاني : هو أن الإضمار في الكلام بمنزلة ترك الحقيقة فيه ، لأنه إذا أمكن حمله على الحقيقة فلا وجه لحمله على المجاز ، وإذا أمكن حمله على ظاهره فلا معنى للإضمار فيه ، فصار الإضمار وترك الحقيقة سواء . وإذا كانا سواء فقد تركنا حقيقة كلمة واحدة ، وأنتم أضمرتم في آخر الآية

--> ( 1 ) الدر المنثور 2 : 166 ، وأحكام القرآن للجصاص 2 : 203 . ( 2 ) أحكام القرآن للجصاص 2 : 204 ، وتفسير القرطبي 5 : 206 . ( 3 ) النساء : 43 .