الآخوند الخراساني

78

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

الصحّة والفساد فيه ( 1 ) حكمين مجعولين ، لا وصفين انتزاعيّين . نعم ، الصحّة والفساد في الموارد الخاصّة لا يكاد يكونان مجعولين ، بل إنّما هي تتّصف بهما بمجرّد الانطباق على ما هو المأمور به ( 2 ) . هذا في العبادات . وأمّا الصحّة في المعاملات : فهي تكون مجعولة ، حيث كان ترتّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاءً ، ضرورة أنّه لولا جعله لما كان يترتّب عليه ( 3 ) ، لأصالة الفساد . نعم ، صحّة كلّ معاملة شخصيّة وفسادُها ليس إلاّ لأجل انطباقها مع ما هو المجعول سبباً وعدمه ( 4 ) ، كما هو الحال في التكليفيّة من الأحكام ، ضرورة أنّ اتّصاف المأتيّ به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ليس إلاّ لانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام ( 5 ) .

--> ( 1 ) أي : في غير الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ . ( 2 ) هكذا في النسخ . والأولى أن يقول : « بمجرّد انطباق المأمور به عليها » . ( 3 ) هكذا في النسخ . والصحيح أن يقول : « عليها » ، فإنّ الضمير يرجع إلى المعاملة . ( 4 ) هكذا في النسخ . والأولى أن يقول : « لأجل انطباق ما هو المجعول سبباً عليها وعدمه » أي : عدم انطباقه على المعاملة . ( 5 ) والأولى أن يقول : « لإنطباق ما هو الواجب أو الحرام عليه » . ونلخّص ما أفاده ذيل قوله : « تنبيه » في عدّة نقاط : الأولى : ما أشار إليه بقوله : « لا شبهة في أنّ الصحّة . . . » ، وهو أنّ الصحّة الكلاميّة - وهي موافقة الأمر أو الشريعة - أمرٌ انتزاعيّ منشؤه انطباق المأمور به على المأتيّ به . الثانية : ما أشار إليه بقوله : « وأمّا الصحّة عند الفقيه فهي من لوازم الإتيان بالمأمور به . . . » . وحاصله : أنّ الصحّة عند الفقيه بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ الأوّليّ من الأمور الواقعيّة ، فإنّها من اللوازم العقليّة للإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ ، كاستحقاق العقوبة والمثوبة ، فليست مجعولةً كما ليست انتزاعيّة ، بل هي أمرٌ واقعيّ يحكم به العقل . الثالثة : ما أشار إليه بقوله : « وفي غيره فالسقوط ربما يكون مجعولاً . . . » . وحاصله : أنّ الصحّة الفقهيّة بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ الثانويّ أو الأمر الظاهريّ مجعولةٌ فيما إذا لم يكن المأمور به وافياً بملاك الواقع وأمكن تداركه ، فكان مقتضى القضاء أو الإعادة ثابتاً ويحكم الشارع بسقوطهما تخفيفاً على العباد . الرابعة : ما أفاده بقوله : « نعم ، الصحّة والفساد في الموارد الخاصّة لا يكاد يكونان مجعولين ، بل إنّما هي تتّصف بهما بمجرّد الانطباق على ما هو المأمور به » . ومحصّله : أنّ الصحّة الفقهيّة بالنسبة إلى غير الأمر الواقعيّ الأوّليّ لا تكون مجعولة فيما إذا كان المأمور به وافياً بملاك الواقع بحيث ينطبق عليه المأمور به . ولكن في كلامه هذا وجهان : الأوّل : أن يكون مراده من عدم مجعوليّتها أنّها انتزاعيّة ، إذ هي تنتزع عن انطباق المأمور به على المأتيّ به ، كما تنتزع الصحّة الكلاميّة عن مطابقة المأتيّ به مع المأمور به . الثاني : أن يكن مراده أنّها أمر واقعيّ يحكم به العقل . فوزان الصحّة هنا وزان الصحّة في الأمر الواقعيّ الأوّلي في كونها من الأمور الواقعيّة واللوازم العقليّة للإتيان بالمأمور به . والظاهر من كلامه هو الأوّل . الخامسة : ما أشار إليه بقوله : « وأمّا الصحّة في المعاملات . . . » . وهو أنّ الصحّة في المعاملات الكلّيّة - كالبيع والإجارة والصلح وما شاكلها - مجعولة شرعاً ، فإنّ الصحّة في المعاملات - بمعنى ترتّب الأثر عليها - أمرٌ بيد الشارع . السادسة : ما أفاده بقوله : « نعم ، صحّة كلّ معاملة شخصيّة . . . » ، يعني : أنّ الصحّة في المعاملات الشخصيّة الواقعة في الخارج وصفٌ اعتباريّ ينتزع من مطابقة الفرد للطبيعيّ المجعول سبباً . والحاصل : أنّ الصحّة الكلاميّة أمرٌ انتزاعيّ مطلقاً . والصحّة الفقهيّة بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ الأوّليّ حكمٌ عقليٌّ واقعيٌّ ، وبالنسبة إلى غيره قد تكون حكماً مجعولاً شرعيّاً وقد لا تكون حكماً مجعولاً شرعيّاً . وخالفه كثيرٌ من المتأخّرين : فذهب المحقّق الإصفهانيّ إلى أنّ الصحّة في المعاملات كالصحّة في العبادات ليست من الأمور المجعولة للشارع ، بل هي أمرٌ عقليّ انتزاعيّ . نهاية الدراية 1 : 586 - 588 . وذهب المحقّق النائينيّ إلى التفصيل بين الصحّة الواقعيّة والصحّة الظاهريّة ، فالتزم بمجعوليّتها في الثانية دون الأولى . فوائد الأصول 1 : 460 - 461 ، أجود التقريرات 2 : 398 - 392 . وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أنّ الصحّة أمرٌ تكوينيّ عقليّ مطلقاً ، فلا ينالها يد الجعل . راجع مناهج الوصول 2 : 155 . وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى التفصيل بين العبادات والمعاملات ، فالتزم بأنّ الحصّة والفساد مجعولان شرعاً في المعاملات ، وأمران واقعيّان في العبادات . المحاضرات 5 : 8 - 13 . ثمرة المسألة : وتظهر ثمرة البحث عن هذا المطلب في استصحاب الصحّة مع الشكّ في فقدان الجزء أو حصول المانع في الشبهة الحكميّة ، فإنّ الصحّة إذا كانت من المجعولات الشرعيّة تقبل التعبّد وضعاً ورفعاً ويجري استصحابها ، وإذا لم تكن من المجعولات الشرعيّة لم تنالها يد الجعل ولا تكون ممّا يقبل التعبّد وضعاً ورفعاً فلا يجري الأصول فيها .