الآخوند الخراساني
341
كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )
وعدم استحقاقها مع الموافقة ( 1 ) ولو في صورة المخالفة عن الواقع ، يكون عقلا في الشرع متّبعاً ما لم ينهض دليل على المنع عن اتّباعه في الشرعيّات ( 2 ) ، فافهم
--> ( 1 ) هكذا في النسخ . والأولى أن يقول : « واستحقاق المثوبة مع الموافقة » . ( 2 ) توضيح ما أفاد المصنّف في المتن جواباً عن الإشكال : أنّه أجاب عنه بوجوه ثلاثة : الأوّل : ما أشار إليه بقوله : « مضافاً إلى . . . » . وحاصله : أنّ مورد هذه الآيات هو خصوص أصول الدين ، فتدلّ على عدم كفاية الظنّ في أصول الدين ، فلا ربط لها بما نحن فيه . الثاني : ما أشار إليه بقوله : « ولو سلّم . . . » . وحاصله : أنّه لو سلّم إطلاق النهي الوارد في الآيات والروايات وشمولها وجوب العمل بخبر الواحد فنقول : إنّ المنصرف من إطلاقها إرادة الظنّ الّذي لم يقم دليل على حجّيّته واعتباره . الثالث : ما أشار إليه بقوله : « لا يكاد يكون الردع بها إلاّ على وجه دائر » . وتوضيحه : أنّ رادعيّه الآيات عن العمل بخبر الواحد دوريّة ، لأنّ كونها رادعة عن السيرة متوقّف على عدم تخصيص عمومها بالسيرة الّتي قامت على اعتبار خبر الثقة ، وإلاّ فلا تشملها ، وعدم تخصيص عمومها بها متوقّف على كون الآيات رادعة عنها ، وإلاّ لكانت مخصّصة ; فرادعيّة الآيات موقوفة على عدم كون السيرة مخصّصة لها ، وعدم كونها مخصّصةً لها موقوف على كون الآيات رادعة عنها ، وهو دور واضح . ثمّ أورد على نفسه : بأنّه فلا يمكن الاستدلال بالسيرة على إثبات حجّيّة خبر الثقة ، لاستلزامه الدور - كما مرّ - . بيان ذلك : أنّه لا يثبت بها حجّيّة الخبر إلاّ إذا لم تكن الآيات رادعة عنها ، وعدم كونها رادعة عنها متوقّف على كون السيرة مخصّصة للآيات كي لا يشملها عموم الآيات ، وكون السيرة مخصّصة لها متوقّف على عدم كون الآيات رادعة عنها ، وهذا دور . ولزوم الدور يمنع عن ثبوت اعتبار السيرة ، وإذا لم يثبت اعتبارها فلا يمكن الاستدلال بها على إثبات خبر الثقة . وأجاب عنه : بأنّ كون السيرة مخصِّصةً للآيات الناهية غير متوقّف على ثبوت عدم الردع عنها بالآيات واقعاً ، بل متوقّف على عدم ثبوت الردع . بخلاف كون الآيات رادعة عن السيرة ، فإنّه متوقّف على عدم كون السيرة مخصّصة لها واقعاً ، فالموقوف عليه التخصيص - وهو عدم ثبوت الردع بالآيات عن السيرة - غير الموقوف على التخصيص - وهو ثبوت عدم الردع بها عن السيرة واقعاً - ، فلا يستلزم الدور . والحاصل : أنّ الآيات لا تصلح للردع عن السيرة العقلائيّة على العمل بخبر الواحد . هذا غاية ما يبيّن به كلام المصنّف ( رحمه الله ) . ولا يخفى : أنّه لا مجال لتحقيق الكلام في المقام بنحو يتّضح به الحال ، بل هو خارج عن المقصود ، فإنّ غرضنا من هذه التعليقة هو إيضاح مبهمات الكتاب وذكر ما يوجب رُشد أذهان الفضلاء ويؤثّر في سوقهم إلى التحقيق والتدقيق ، ليتهيّؤا بذلك للانتفاع بالدراسات العالية إن شاء الله . فنكتفي بذكر ما أفاده الأعلام الثلاثة وبعض تلامذتهم حول ما ذكره المصنّف في المقام . أمّا المحقّقان العراقيّ والنائينيّ : فأفادا عدم رادعيّة الآيات عن السيرة بما حاصله : أنّ العمل بخبر الواحد في طريقة العقلاء يرجع إلى أنّهم يرون العمل به من أفراد العمل بالعلم ، لا من أفراد العمل بالظنّ . وأنّهم لا يعتنون باحتمال الخلاف ، لما قد جرت على إلغاء احتمال الخلاف طباعهم واستقرّت عليه عادتهم . فالعمل بخبر الواحد خارج عن موضوع الآيات الناهية - وهو العمل بالظنّ - ، فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لأن تكون رادعة عن العمل بخبر الثقة . نهاية الأفكار 3 : 103 و 138 ، فوائد الأصول 3 : 161 - 195 . ثمّ إنّ ظاهر كلام المحقّق النائينيّ أنّه سلّم صحّة دعوى دوريّة رادعيّة الآيات عن السيرة لو أغمضنا النظر عن دعوى الانصراف وخروج السيرة عن الآيات . فلا بد من القول بأنّ السيرة حاكمة على الآيات ، والمحكوم لا يصلح للرادعيّة عن الحاكم . راجع فوائد الأصول 3 : 162 . وأمّا المحقّق العراقيّ : فصرّح بعدم صحّة تلك الدعوى ولو أغمض النظر عن دعوى الانصراف وخروج السيرة موضوعاً عن الآيات الكريمة . فقال : « حجّيّة السيرة بعد أن كانت معلّقةً على عدم الردع عنها يكون عدم الردع في المرتبة السابقة عن حجّيّتها ، لأنّه بمنزلة شرطها . وحينئذ ففي المرتبة السابقة على حجّيّتها تجري أصالة العموم في الآيات الناهية ، فتوجب خروج مثلها عن الحجّيّة ، بلا محذور دور » . نهاية الأفكار 3 : 103 - 104 . وأمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأطال الكلام في المقام بتقريب الدور ودفعه بوجه آخر . ثمّ أفاد تقديم السيرة على عموم الآيات ، لعدم بناء العقلاء على العمل بالعامّ في قبال الخاصّ ، وقال : « ويؤيّد تقديم السيرة على العمومات ويؤكّده أنّ لسان النهى عن اتّباع الظنّ وأنّه لا يغني من الحقّ شيئاً ليس لسان التعبّد بأمر على خلاف الطريقة العقلائيّة ، بل من باب إيكال الأمر إلى عقل المكلّف من حيث أنّ الظنّ بما هو ظنّ لا مسوّغ للاعتماد عليه والركون إليه . فلا نظر إلى ما استقرّت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتّباعه من حيث كونه خبر الثقة . ولذا كان الرواة يسألون عن وثاقة الراوي للفراغ عن لزوم اتّباع روايته بعد فرض وثاقته » . نهاية الدراية 3 : 36 . وإن شئت الاطّلاع على تفصيل ما أفاده فراجع نهاية الدراية 2 : 232 - 237 و 3 : 29 - 36 . وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فدفع توهّم كون الآيات رادعةً عن السيرة بوجوه : الأوّل : أنّ عمل الصحابة والتابعين بخبر الثقة غير قابل للإنكار ، كما أنّ استمراره بين المتشرّعة وأصحاب الأئمّة ( عليهم السلام ) بعد نزول الآيات مقطوع به . فلو كانت الآيات رادعة عن السيرة المستقرّة على العمل بخبر الثقة لانقطعت السيرة في زمان الأئمّة ( عليهم السلام ) لا محالة . الثاني : مع الغضّ عن ذلك ، إنّ الظاهر من لسان الآيات كونها إرشاداً إلى ما يحكم به العقل من تحصيل المؤمِّن من العقاب المحتمل والانتهاء إلى ما يعلم به الأمن . فلا يكون مفادها حكماً مولويّاً لتكون رادعة عن السيرة . الثالث : لو أغمضنا عن ذلك ، إنّ السيرة حاكمة على الآيات الناهية ، فيكون حال خبر الثقة حال الظواهر من حيث قيام السيرة على العمل به ، فكما أنّ السيرة حاكمة على الآيات بالنسبة إلى الظواهر كذلك حاكمة عليها بالنسبة إلى خبر الثقة . مصباح الأصول 2 : 199 - 200 . وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فهو - بعد ما ناقش في ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) في نفي الرادعيّة من لزوم الدور ، وناقش فيما أفاده المحقّق النائينيّ من حديث حكومة السيرة على الآيات الناهية - دَفَع صلاحيّة الآيات للرادعيّة عن السيرة بأنّ الآيات لمّا كانت من قبيل القضايا الحقيقيّة تشمل كلّ ما وجد في الخارج ويكون مصداقاً لغير العلم . وبما أنّ دلالتها غير علميّة ، بل ظنيّة ، فتشمل نفسها ، فيجب عدم جواز اتّباعها بحكم نفسها ، ويلزم من التمسّك بها عدم جواز التمسّك بها ، وهو باطل بالضرورة . أنوار الهداية 1 : 275 . والحاصل : أنّهم أطبقوا على عدم صلاحيّة الآيات للرادعيّة عن السيرة ، وإن اختلفوا في تقريره . ولا يخلو بعض ما أفادوه من المناقشة ، يطول شرحها ولا يهمّ التعرّض لها الآن ، وفيما ذكرناه الكفاية .